ميزان له لسان، وكفتان، لكن هذه الموزين لا نستطيع أن نكيفها بعقولنا، لكنها موازين حقيقية، خلافًا لما ذهبت إليه المعتزلة، فإن المعتزلة على جري طريقتهم الفاسدة في إعمال العقول وتحكيمها في النصوص يقولون: المقصود بالموازين هي إقامة العدل، وليست موازين حقيقية والله تعالى يقول: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) إذًا ثم شيء يوزن، له ثقل (أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) وقال - عز وجل: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) [المؤمنون] فهذه الموازين، موازين حقيقية، وهل هو ميزان واحد، والجمع باعتبار الموزونات، أم هي عدة موازين؟ قيل بهذا، وقيل بهذا، والظاهر والله أعلم أنها موازين متعددة، ومما يدل على أن الميزان حقيقي، حديث صاحب البطاقة، وهو أنه ينادى برجل من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فيُنشر له تسعة وتسعون سجل -يعني من الذنوب والمعاصي- فتوضع في كفة، فيجزم أنه قد هلك، فيقال: إنك لا تُظلم، إن لك عندنا شيء، فتبرز له بطاقة مكتوب فيها (لا إله إلا الله) فيقول في نفسه: ما عسى أن تصنع هذه البطاقة بجنب هذه السجلات، قال - صلى الله عليه وسلم: فتوضع البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، قال - صلى الله عليه وسلم: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة. فهذا يدل على أن ثم كفتان، وهما من خصائص الميزان الحقيقي فليس ميزان معنوي.
• إذًا تنصب الموازين، وهذا أيها الإخوان دليل على كمال عدل الله، وإلا لو شاء الله - عز وجل - لحكم بين العباد وصرف أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، لكن الله - عز وجل - حكم، عدل، مقسط يحب أن يظهر عدله سبحانه وبحمده، حتى إن كل أحد لا يبقى في نفسه أدنى تردد، وقد جاء في الحديث أن الكافر يقول لله - عز وجل: يا رب ظلمني الكتبة، ظلمني ملائكتك. فيقول الله - سبحانه وتعالى: هل ترضى أن نبعث عليك شاهدًا منك؟ فيقول: نعم. فيختم الله - عز وجل - على فيه، ويأمر جوارحه أن تنطق؛ فيكون أول ما يتكلم منه فخذه فيخبر بما صنع، وكذا بقية جوارحه، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لَكُنّ وسحقا، فعنكن كنت أناضل.
يخاطب جوارحه، يديه، ورجليه، وفرجه، وعينيه، وأُذنيه، ولسانه، فيقول: بعدًا لَكُنّ وسحقا، فعنكن كنت أناضل. فالله تعالى يُقيم العدل، ويُحق الحق سبحانه وبحمده في ذلك اليوم؛ فلا يرى أحد أنه قد ظُلم أبدًا فهذا هو المقصود بنصب الموازين، فما الذي يوزن؟
• قال الشيخ رحمه الله: (فتوزن فيها أعمال العباد) قد اختلف العلماء في الموزون:
-فقيل أن الذي يوزن الأعمال.
-وقيل أن الذي يوزن العاملون.
-وقيل أن الذي يوزن الصحف. وكل قول من هذه الأقوال له دليله: