الأول: حساب الكفار. ... الثاني: حساب المؤمنين، وحساب المؤمنين على نوعين أيضًا.
فلنبتدأ بالتقسيم العام: أما حساب الكفار، فإنه لكمال عدل الله - عز وجل - يحاسبهم، لكن حسابهم، أنهم يقررون بذنوبهم، ويعترفون بها، فلا سبيل لهم إلى الإنكار، لكن لا يُحاسبون محاسبة من توزن حسانته، وسيئاته لماذا؟ لأنه لا حسنات لهم، قال الله - عز وجل: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان/23] فليس ينفع مع الكفر شيء في الآخرة، المشرك الكافر لا ينفعه شيء في الآخرة حتى لو قدرنا أن من الكفار من يقوم ببعض الأعمال الخيرية، من رعاية اليتامى، والمشردين، واللاجئين، ولا يعملونها بالضرورة لأجل التنصير أو غير ذلك، يعملونها أحيانًا بدوافع إنسانية، خُلقية، كما يقولون، فهل ينفعهم ذلك في الآخرة؟ لا، سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل من أشراف قريش يقال له: عبد الله بن زيد بن جدعان، فقالت يا رسول الله: إنه كان يفك العاني، وينصر الضعيف، ويُطعم، ويفعل، ذكرت من مناقبه، وكان قد مات في الجاهلية، فهل ينفعه ذلك عند الله؟
قال - صلى الله عليه وسلم: لا، إنه لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
لا ينفعه ذلك، لكن لكمال عدل الله - عز وجل - يكافئهم الله - سبحانه وتعالى - على هذه الأمور بالتوسعة عليهم في الدنيا؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - حكم عدل، يوسع عليهم في دنياهم، وفي صحتهم، في تمكينهم، ولعلكم تلاحظون هذا أيها الإخوان، فإن بعض هذه الأمم التي لها عناية بالأعمال الخيرية، ورعاية اليتامى، والمساكين، واللاجئين، والمشردين وينفقون أموال باهظة، أفراد، وجماعات، تجد أنهم فعلًا قد كُوفئوا في هذه الدنيا، بالتمكين في الأرض وبالتيسير المادي، وحصول الحضارة المادية، هذا أمر ملاحظ، ويدركه من سبر حال الغرب، ودول الغرب، فإنهم لا يدعون فقير في بلادهم، يقدمون له ما يسمونه بالتأمين بجميع أنواعه، التأمين الصحي والتأمين العلمي، والتأمين السكني، وجميع أنواع التأمين، شيء يدهش الإنسان في الواقع، وأهل الإسلام أولى به، حتى إن كثير من الناس يرتحلون إلى بلادهم، ويحاولون أن يصلوا إلى بلادهم ليحصلوا إلى هذه المزايا، فما أن تطأ قدم أحدهم تلك البلاد، حتى يقومون بكفالته، لا يقومون بترحيله، وتسفيره يقومون بكفالته والإنفاق عليه، ولأجل ذلك كُوفئوا فعلًا في هذه الحياة الدنيا، بما يجري لهم من التيسيرات المادية والتطور، والتفوق، فهذا والله أعلم من عاجل مكافأتهم، أما في الأخرة أما في الأخرة فلا يسعهم عند الله شيء؛ لأن الشرك، والكفر، لا ينفع معه عمل، قال - عز وجل: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان/23] .
• إذًا قد عرفنا طريقة محاسبة الكفار، وهو كما قال الشيخ رحمه الله (لا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته، وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم، ولكن تُعد أعمالهم فتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها ويجزون عليها) .