فإن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - لما حضرته الوفاة دعا بابنه وقال: يا بني اعلم أنك لن تذوق طعم الإيمان، ولن تبلغ حلاوته حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك لم يكن ليصيبك، يا بني إنك إن مت على غير هذا ما أفلحت أبدا. وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألت فسأل الله، وإذا ستعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفت الصُحف.
فهذه عبارة مُستقاة من جمل نبوية، سلفية، أثريه أثبتها الشيخ في هذا المقام، فدل ذلك على أن الله - سبحانه وتعالى - كتب معلومه المتعلق بخلقه في اللوح المحفوظ، وقد جمع الله - سبحانه وتعالى - هاتين المرتبتين في آية واحدة استدل بها الشيخ، وهو قول الله - سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ) ، (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) إذًا قوله: (أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) هذه مرتبة علم، (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) هذه مرتبة الكتابة، وقال - عز وجل: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) نبرأها يعني: نخلقها. فهذا يدل على إثبات هاتين المرتبتين وهما ما كان ينكره غلاة القدرية، من طبقة معبد الجُهني، ومن كان بعده، وصاح بهم الصحابة - رضي الله عنهم - إنكارًا عليهم، وأثبتوا علم الله - سبحانه وتعالى - بأفعال العباد، وكتابته ذلك في اللوح المحفوظ.
• قال الشيخ رحمه الله: (وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلا) صحيح
يعني التقدير أنواع، هناك تقدير كوني، وهناك تقدير جنيني، وهناك تقدير سنوي، وهناك تقدير يومي
ولا تعارض بين هذه التقديرات، فإن هذه التقديرات منها ما يكون جملة، وهو التقدير الكوني، ومنها ما يكون تفصيل، فبعضها تفصيل لبعض.
-فالتقدير الكوني هو الذي جرى به القلم، قال: ما أكتب، قال: أُكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. هذا هو التقدير الكوني الذي هو في اللوح المحفوظ.
-النوع الثاني التقدير الجنيني أو العُمري، وهو الذي دل عليه حديث الصادق المصدوق، حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: إن أحدكم يُجمع خلقه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسَل إليه الملك -بعد أن يكون أتم مئة وعشرين يومًا، أربعة أشهر- فينفخ فيه الروح ويُؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. هذا الذي يُأمر به الملك، هذا مستنسخ مما في اللوح المحفوظ، فإن الملك يستنسخ هذا من اللوح المحفوظ كأنه نوع من الاستنزال لهذا المخلوق المعين، فهذا التقدير تفصيل لما في اللوح المحفوظ.