-سبحانه وتعالى - قبض قبضة فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وقبض قبضة وقال: هؤلاء في النار ولا أبالي) فكان رحمه الله يبكي، ويقول: ليت شعري، في أي القبضتين أنا.
هل من أحد يا إخوة يعلم في أي القبضتين هو؟ لا والله، لكننا نرجو - سبحانه وتعالى - ونحس الظن به، ونسأله وهو - سبحانه وتعالى - عند ظن عبده، يعني يتضرع العبد إلى ربه بطاعته، ومراضيه، وتجنب معاصيه، والتوبة إليه
يرجو ما عند الله - عز وجل -، لكنه لا يقطع، ولا يعلم أفي جنة هو أو نار، مع أن هذا قد سبق في علم الله، وقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يومًا على أصحابه ومعه كتابًا، وقال - صلى الله عليه وسلم: (في هذا الكتاب أسماء أهل الجنة، وأسماء أباءهم، وقبائلهم، وهذا الكتاب فيه أسماء أهل النار، وأسماء أباءهم، وقبائلهم، ثم نفض يديه، فرغ ربك من العباد) .
فهذا لله - سبحانه وتعالى - كتابًا، كتاب معلن ظاهر، وكتاب مخبوء مستور، فالكتاب المعلن الظاهر هو الشرع
والكتاب المخبوء المستور هو القدر، فمن العجب أن يضيع الإنسان عمره في البحث عن هذا الغيب المستور، لا فائدة أن تفكر في القدر، القدر إلى الله - عز وجل -، الذي يجب أن تعمل فيه فكرك
وهمك، وشغلك هو الشرع، هذا طريق النجاة، قال - سبحانه وتعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10 ) )
وهذا هو الذي كما أسلفت لكم يحصل به انتظام أمر العالم، وحصول الابتلاء، وتمايز المؤمنين من الكفار، والأبرار من الفجار، بهذه الطريقة، وإلا لا يمكن لو كان قد عُين أهل الجنة، وعُين أهل النار وعُرفوا سلفًا، ما كان للأوامر والنواهي قيمة، ولهذا لما ورد هذا الوارد على نفوس أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال قائلهم: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابك، وندع العمل. ماذا أجابهم وهو الذي بالمؤمنين رؤوف رحيم - صلى الله عليه وسلم -؟ هل قال: أي نعم، اتكلوا على كتابكم، ولا داعي للكُلفة، والتعنُت؟ لا، قال - صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ثم تلى الآية.
• وبهذا يا إخوان يتبين أنه لا حجة للمبطلين بالقدر على فعل المعاصي، وترك الطاعات، لا حجة لهم في القدر أبدًا، حينما ينبري أحد هؤلاء الفقهاء البطالين ويُنْكر عليه مقارفته لمنكر، فيتبجح ويقول: يا أخي هذا أمر كتبه الله، مقدر، ألا تؤمن بالقدر؟ حينما تقول له: اتقي الله وصلي. فيقول: لو كتب الله لي أن أصلي لصليت، لو قيل له: اتقي الله ودع شرب الخمر. قال: ما شربتها إلا بقدر الله، ألا تؤمن بالقدر؟ فالسؤال: هل يتم لهؤلاء الاحتجاج بقدر الله على معصية الله أم لا يتم لهم ذلك؟ لا يتم
مستحيل؛ لأنه قد سبقهم إلى هذه الشبهة المشركون، حينما قالوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) أليس الأمر في الواقع صحيح؟ إنه لو شاء الله ما أشركوا، أليس كذلك يا إخوة؟ لأن كل شيء بمشيئته - سبحانه وتعالى -، لو شاء الله - عز وجل - ما أشركوا، ولا أباءهم، ولا حرموا من شيء، أليس كذلك؟ لكن فرق بين أن يكون هذا هو الحق المطابق للواقع، وبين أن يكون ذلك حجة لهم على شركهم وتحليل ما حرم الله - عز وجل -، وتحريم ما