كعمر - رضي الله عنه -؟ قال - رضي الله عنه: ونحن نقطع يدك بقدر الله. هكذا، بل ونضيف إلى هذا"بقدر الله، وشرع الله"فلهذا لا تعارض بين الأمرين.
فإن قال قائل: أليس قد تحاجا آدم وموسى عليهما السلام واحتج آدم بالقدر، فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المشهور الذي رواه البخاري وغيره (احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، فلما اخرجتنا من الجنة ونفسك؟ فقال آدم - عليه السلام: أنت موسى كتب الله لك التوراة بيمينه ألست تجد أن ذلك مكتوب علي قبل أن يخلق السماوات والأرض بكذا وكذا؟ قال: بلى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحج آدم موسى) أرأيتم، إذًا يمكن أن يحتج الجبرية، والمبطلون الذين يحتجون بقدر الله على معصية الله بهذا النص، ويقول قائلهم: هذا احتجاج من آدم - عليه السلام - بالقدر، وقد وافقه النبي - صلى الله عليه وسلم - وحكم له على موسى.
• والجواب عن ذلك أن يقال: الاحتجاج بالقدر في المصائب جائز، أما في المعائب فلا يجوز
والاحتجاج بالقدر بعد التوبة جائز، وقبل التوبة لا يجوز-مرة أخرى- حينما احتج آدم - عليه السلام - بأن هذا أمر قد كتبه الله عليه، هل كان بذلك يُسوغ المعصية؟ أم يفسر المصيبة؟ يعني: هل هذا أراد به الاحتجاج على المعائب؟ أم الاحتجاج على المصائب؟ نقول: على المصائب؛ لأن إخراجه من الجنة وذريته باتت مصيبة، فهو أراد أن يقول: إن هذا الذي جرى كان قد كتبه الله - عز وجل -، فهو مصيبة، فهو لا يحتج بقدر الله على معصيته، بأن يقول: عذري في أكلى من الشجرة أن الله - عز وجل - كتب علي ذلك. لا، لم يحتج بقدر على معصية الله، وإنما على المصيبة التي جرت عليه، هذا جواب.
والجواب الآخر: أن يقال: يجوز الاحتجاج بالقدر بعد التوبة، لا قبل التوبة، نصور مثلًا قريبًا: هب أن إنسان كان مسرف على نفسه في الذنوب والمعاصي، يغشى الحارم، ويشرب الخمر، ويأكل أموال الناس بالباطل، ويؤذيهم ونحو ذلك، ثم منّ الله - سبحانه وتعالى - عليه بالتوبة النصوح؛ فأقلع عن ذلك كله، واستقام، فجائه من جاءه وقال له: يا فلان كيف أنت، أنت كنت تؤذي الناس، وتأكل أموالهم، وتغشى الحرام، وتشرب الخمر، كيف هذا حصل منك؟ فقال: يا أخي هذا أمرٌ قد كتبه الله. هل نلومه على جوابه؟ لا نلومه؛ لأنه احتج بقدر الله بعد التوبة، لم يحتج بقدر الله لتسويغ المعصية. أرأيتم الفرق بين الصورتين؟ فلو قالها إنسان بعد التوبة، لقبلنا منه ذلك، وعلمنا أنه لم يرد أن يُسوغ معصيته، ليسوا سواء، ليس هذا الشخص مثل شخص مقيم على شرب الخمر، ويقال له: اتق الله، فيقول: يا أخي هذا أمر قد كتبه الله. ثم يأخذ جرعة، هل هما سواء؟ لا، مع أن كل منهما احتج بالقدر، لكن الأول احتج بالقدر بعد التوبة والثاني احتج بالقدر وهو مقيم على المعصية، وبالتالي فلا حجة لهؤلاء.