فأنكر الله - سبحانه وتعالى - عليهم دعوى الإيمان، وأقرهم على دعوى الإسلام، يعني بمعنى: أن هؤلاء الأعراب حديثي العهد بالإسلام حققوا شرائع الإسلام الظاهرة، لكن 17.22 بعد لم تخالط قلوبهم ولهذا قال - عز وجل: (ولما يدخل) وكلمة (ولما) ليست مثل (ولم) فإن (لم) تدل على النفي، لكن (ولما) تشعر بقرب ذلك، (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) ، وهذه قاعدة مطردة حيثما ذكر الإيمان والإسلام في نص واحد فالإسلام يدل على الشرائع الظاهرة، والإيمان يدل على العقائد الباطنة، فإن قال قائل: ماذا تصنعون بقول الله - سبحانه وتعالى: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [الذاريات] ها هو قد سماهم تارة مسلمين، وسماهم أخرى مؤمنين وهما في نص مقترن؟ فيقال: أيضًا هذه لا تخرج عن ما ذكرنا، كيف ذلك؟ قال الله - عز وجل: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) من المُخرجون؟ لوط - عليه السلام - وابنتاه، فهم حقًا مؤمنون لأنهم يقينًا في الداخل مؤمنون وقوله - عز وجل: (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) البيت نفسه بكامل هيئته يشغله معهم من؟ امرأة لوط - عليه السلام -، التي لم تكن من المؤمنين، لكن لما كان البيت يقوم عليه لوط - عليه السلام - سمي بيت إسلام
كما ولو كان فيه من ليس مؤمنًا، لكن يطلق عليه بيت إسلام، مثل: إذا خضعت بعض البلاد المفتوحة لحكم المسلمين، فإنها تسمى دار إسلام ولو كان أكثر أهلها ليسوا على الإسلام، فمثلًا: لما فتح المسلمون بلاد الشام، ومصر، والعراق كان عامة أهلها نصارى، لكنها كانت تسمى دار إسلام، لأن الحكم للشريعة، وللإسلام، وغير المسلمين يدفع الجزية عن يد وهو صاغر، فصارت القاعدة: أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. إذا اجتمعا في نص واحد فالإسلام يدل على الشرائع الظاهرة، والإيمان يدل على العقائد الباطنة، وأما إذا افترقا، كل جاء في نص مستقل؛ فإن كل منهما يدل على الدين كله.
• قال المصنف رحمه الله: (وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية) هذه مسألة كبيرة من المسائل المتعلقة بالإيمان، وهي مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فيعتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا بناءًا على قولهم الأول: أن الإيمان حقيقته مركبة من قول وعمل، فأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الإيمان يزيد وينقص، له أسباب تزيده، وله أسباب تنقصه، فيزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، يزيد بالتفكر في خلق السماوات والأرض، وينقص بالغلفة عن ذلك، يزيد بتدبر القرآن العظيم، وينقص بالإعراض عن ذلك، فهناك أسباب تزيده، وهناك أسباب تنقصه، وليس الإيمان عند أهل السنة والجماعة شيء واحد، إما أن يوجد كله، وإما أن يُعدم كله، لكنهم يرون أن الإيمان مراتب: فهناك أصل الإيمان، وهناك الإيمان الواجب، وهناك الإيمان الكامل، فأصل الإيمان هو الحد الأدنى الذي ليس بعده إلا الكفر، وهو أن يأتي الإنسان بالشهادتين، معلنًا أن"لا إله إلا الله"فلا يصرف العبادة لغير الله - عز وجل -، وأن"محمد رسول الله"فلا يتبع غير هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإذا أتى بهذين الأصلين يعني: أقر بهما وأعلنهما، ملتزمًا بهما، ولم يأتيه مُكفر؛ فقد حقق أصل الإيمان، فإذا زاد على ذلك فعل الوجبات، وترك المحرمات، فقد أتى بالإيمان الواجب الذي يدخله الجنة، فإذا زاد على ذلك وضم إلى فعل الواجبات فعل المستحبات، وضم إلى ترك المحرمات ترك المكروهات أتى