• هؤلاء أشد المرجئة إرجاءًا، والحقيقة أن مقالتهم ساقطة لأنه لو كان الإيمان مجرد معرفة القلب وتصديق القلب لكان إبليس من المؤمنين، لأن إبليس قال لرب العالمين (فَبِعِزَّتِكَ) فأقسم بعزة الله وأقر له بالخلق قال: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) وأقر بالتدبير، فقال: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) لو كان الإيمان هو مجرد المعرفة؛ لكان إبليس في عداد المؤمنين.
• أيضًا لو كان الإيمان هو المعرفة؛ لكان فرعون مؤمنًا، لأن فرعون قد عرف بقلبه، فقال الله - عز وجل: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ) هذا يقين أيضًا، ليس مجرد معرفة وحسب، بل هو يقينن، لكان فرعون وملائه مؤمنين، لأنه قد حصلوا المعرفة بل واليقين، فهذا لازما لهم.
• أيضًا لو كان كذلك لكان مشركوا العرب مؤمنين، لأنهم كما قال الله - سبحانه وتعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) ، ولكان أبو طالب مؤمنًا لأنه يقول في قصيدته:
ولقد علمت أن دين محمد *** من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو مخافة سبة *** لوجدتني سمحا بذاك مبينا
كل هذا يلزم هؤلاء المرجئة، فهذا يدل على أن قولهم ساقط، وأن الإيمان ليس مجرد معرفة القلب كما زعموا.
-الدرجة الثانية من المرجئة هم الكرامية، المنسوبون إلى محمد بن كرام السجستاني، هؤلاء الكرامية يقولون قولًا عجيبًا، يقولون: إن الإيمان هو: نطق اللسان، فمن نطق بلسانه فهو مؤمن حقا. سبحان الله! إذًا يلزم من ذلك ماذا؟ أن يكون المنافقون مؤمنين، لأن الله - عز وجل - أخبر عنهم فقال: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [المنافقون/1] ، عجبًا لكم أيها الكرامية، كيف تسمون من أسلبهم الله، مؤمنين، وتقولون: إن نطق اللسان يستحق به الإنسان حقيقة الإيمان.
لا يقولون: نعامله معاملة الظاهر، لا، يقولون: أنه مؤمن حقيقة، ولكنهم -وهذا من تناقضهم، وربما غلط عليهم غيرهم- يقولون: أنهم في الأخرة مخلدون في النار. إذًا كيف قلتم عنه أنه مؤمن؟! هذا تناقض، ولهذا هم لا يقولون: إنه في الأخرة في الجنة، وربما غلط بعض من حكى مقالتهم، كما قال ذلك شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، وزعم أنهم يقولون: إنه في الأخرة في الجنة. لا، هم لا يقولون بذلك، بل يقولون: هو في الآخرة في النار، وهذا دليل فساد مقالتهم.