-وقد يكون يتغيير الشكل.
مثاله بزيادة الحرف: كقولهم في قول الله تعالى - سبحانه وتعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه/5]
قالوا: استولى، فزادوا حرفًا، استولى بدلًا من استوى.
بزيادة كلمة: كقولهم في مثل قوله - سبحانه وتعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) [الفجر/22] وجاء أمر ربك فأقحموا كلمة في النص، تحريف بزيادة كلمة، أو كقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"ينزل ربنا إلى السماء الدنيا"يقولون: ينزل أمر ربنا، أو ملَك من ملائكة ربنا، فهذا تحريف بزيادة لفظ.
النوع الثالث: تحريف بتغيير الشكل، وذلك أنه لا يخفاكم أن اللغة العربية تتأثر بضبط أواخر الكلمات فينقلب الفاعل مفعولًا، والمفعول فاعلًا؛ ولأجل ذا دخل هؤلاء المحرفون من هذا المدخل، ويُمثل لذلك بتحريفهم لقول الله - عز وجل: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) جعلوا لفظ الجلالة مفعولًا به فقالوا: وكلمَ اللهَ موسى تكليمًا، يريدون بذلك ماذا؟ أن يجعلوا الله مُكلمًا لا مُتكلمًا، فهذا تحريف بتغيير أواخر الحروف يعني: بتغيير الشكل، وقد جاء أحدهم إلى أبي عمرو بن العلاء أحد القراء المشهورين فقال له: أُريدك أن تقرأ لي هذه الآية: وكلم اللهَ موسى تكليمًا، فأدرك رحمه الله مراده، فقال له: فما تفعل يابن اللخناء بقول الله - سبحانه وتعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) لا حيلة له بها، أراد أن يأخذ عن ذلك الإمام قراءة يطير بها بالآفاق ويقول: قرأ أبو عمرو بن العلاء كذا وكذا، لكنه تفطن لمراده وقطع عليه الطريق، واستدل عليه بآية لا سبيل له إلى العبث بها وهي قول الله - سبحانه وتعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) .
• إذًا هذه هي أنواع التحريف اللفظي.
• أما التحريف المعنوي: فأنه لا يتعرض لرسم الكلمة ولا لشكلها، ولكن يتعرض لمعناها، فيقول: نعم الرحمن على العرش استوى، لكن المقصود بالاستواء هو الاستيلاء، نعم تبارك الذي بيده الملك، لكن المراد باليد القدرة أو النعمة، (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) نعم، الله تعالى له وجه، لكن المراد بوجه ذاته أو ثوابه أو نحو ذلك، فهذا المحَرِف تحريفًا معنويًا يُبقي رسم الكلمة مدركًا أنه لا سبيل لتغيرها؛ لأن الله تعالى قد حفظ الذكر (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر/9] ، ولم يختلف المسلمون على حرف سوى ما جاء في القراءات، والقراءات مقبولة، وإنما أراد أن يَنْفذ من جهة المعنى، فيقول: ليست على ظاهرها، هذه من الآيات المشكلة ... إلى آخره، هؤلاء هم المحرفون، والعجب أنهم يُسمون أنفسهم مئولين، وهم لا ييستحقون هذا اللفظ، فهم في الواقع أهل التحريف ليسوا أهل التأويل؛ لأن التأويل منه ما هو صحيح ومنه ما هو فاسد، فهم إذا كسوا أنفسهم هذا اللباس أوهموا أنهم سلكوا مسلكًا يحتمل الصواب، لكنهم في الواقع سلكوا مسلك التأويل الفاسد الذي لا يمكن أن يكون إلا تحريفًا، ففيهم شبه ممن قال الله عنهم: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) ، (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) وقد جرى من اليهود ذلك، فحرفوا تحريفًا لفظيًا حين قيل لهم: (وَقُولُوا حِطَّةٌ) ، فقالوا: حنطة، فزادوا حرفًا، وجرى منهم ذلك بتحريف المعنى حينما جاءوا إلى التوراة فاحتالوا عليها بأنواع الحيل وارتكبوا