عثمان - رضي الله عنه - مر شهر من خلافته والأمور ساكنة، إلا أن دعاة الفتنة كانوا ينخرون في جسم الأمة ويسعون في الواقيعة بين الخليفة وبين الناس، فكانوا يهيجون العامة والدهماء على عثمان - رضي الله عنه - ويقولون ولى أهل بيته، وظلم الناس، وغير ذلك من أنواع الإشاعة والتهييج حتى إنهم حركوا هذه الجموع الغوغائية القادمة إلى الموسم، و واعدوهم في الموسم، ممن قد من مصر، ومن اليمن، ومن العراق، فلما 8.37 الناس من الموسم إلى المدينة، كما هي عادة الناس، 8.41 على إلزام عثمان بي الانخلاع من الخلافة، وطالبوه بأن يخلع نفسه، فأبى - رضي الله عنه - وقال: لا اخلع ثوبًا البسنيه الله، فحاصروه في بيته، ومنعوه من الخروج، وانتدب الصحابة - رضي الله عنه - للذب عنه، وممن انتدب لذلك بنفسه وبنيه على - رضي الله عنه -، حتى إنه بعث بالحسن والحسين رضي الله عنهما، لكن عثمان - رضي الله عنه - أبى ذلك وقال لا تُراق قطرة دم بسببي وظل معتصمًا ببيته ينتظر فرج الله - عز وجل - حتى كان من هؤلاء الخوارج أن تسورا عليه في بيته وقتله وانفتح باب الفتن، وإن كان الإيذان بفتح باب الفتن، كان بقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فإن عمر رضي الله عنه قد قال يومًا للصحابة في مجلسه: أيكم يذكر الفتن التي حدث عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال حذيفة: يا أمير المؤمنين فتنة الرجل في أهله وماله يكفرها الصوم والصلاة، قال: ليس عن هذا أسئلك، وإنما أسئلك عن الفتن التي تموج كموج البحر فقال حذيفة -وهو متخصص في الفتن، كان يسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الشر، وكان الناس يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، فكان يسأله عن الشر، قال مخافة أن يدركني- فقال: مالك وما لها يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا، فقال عمر - رضي الله عنه: أيفتح الباب أم يُكسر؟ قال: بل يكسر. قال: إذًا لا يرد. لأن الباب إذا كسر لا يرد، لكن إذا فتح أمكن رده، فسأل بعد ذلك حذيفة: أكان عمر يعلم -قال فقد حدثته حديثًا ليس بالأغاليط- من الباب؟ قال: كما يعلم أن دون غدا الليلة، فسأله مسروق أو غيره: من الباب؟ قال: عمر.
فكان في قتل عمر - رضي الله عنه - انفساخ لباب الفتن، لكنها لم تكن بادية بأول خلافة عثمان - رضي الله عنه - إذ كان هؤلاء الفتانون يعملون على نشر الفتنة في الخفى، حتى إذا مضى شهر من خلافته جرى منهم ما جرى من قتل الخليفة، فلما قتل عثمان - رضي الله عنه - انفض هؤلاء الخوارج إلى ديارهم، وبايع الصحابة من المهاجرين والأنصار علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وانعقدت بيعته بيعة شرعية، ثم أرسل إلى عماله في الأقاليم طلب بيعتهم، فبايعوه إلا أهل الشام، إذ كان على الشام معاوية، ومعاوية - رضي الله عنه - وعثمان - رضي الله عنه - كلاهما من بني عبد شمس، فوقع في نفس معاوية ومن معه من أهل الشام أنه لابد أن يؤخذ بدم عثمان - رضي الله عنه -، وألا يترك هؤلاء القتلة من الخوارج يذهبون على سبيلهم، وقالوا: نحن أولياء الدم، فنشأ خصومة بهذا السبب، وجرى مُكاتبة بين الطرفين، وكان علي - رضي الله عنه - يرى أن 12.9 في الطاعة والبيعة، وهذا أمر يتعلق به هو بوصفه ولي أمر المؤمنين، فيتبع قتلة عثمان، لكن أهل الشام رأوا غير ذلك، فلما يدخلوا في بيعته، ثم رأى - رضي الله عنه - أن ينقل مقر الخلافة إلى الكوفة، فخرج إلى الكوفة، وجرى بينه وبين أهل الشام مناوشات معروفة، فجرت معركة صفين بين الفريقين، ولما رأى طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنهم -، وكان هذا قبل انتقاله رأى شيء 12.53، ثم مضى علي - رضي الله عنه - بعد ذلك إلى