• أما قول المعتزلة أنه لو أثبتنا الكرامة للتبس النبي بالولي، والنبي بالساحر. فالجواب عنه سهل فنقول: لا يمكن أن يلتبس النبي بالولي، لماذا؟ لأن الولي لا يمكن أن يدعي النبوة، بل الولي دومًا من أكثر الناس إزراءً على نفسه، واحتقارًا لعمله، فكيف يدعي النبوة؟! حاش الولي أن يدعي النبوة، فلا يمكن أن يلتبس أمر النبي بالولي.
• أيضًا لا يمكن أن يلتبس أمر النبي بالساحر، شتان، شتان، شتان بين النبي والساحر، فإن النبي دلائل نبوته ظاهرة، وعلامات صدقه في دعوته، وسيرته، وما يجريه الله - عز وجل - على يديه لا يمكن أن تلتبس بما يقع من الساحر، والساحر بيّن ظاهر، فإنه لفساده وخبثه، وسوء سيرته، وأفعاله الشنيعة، لا يمكن بحال أن يلتبس بالنبي.
فهذه الدعوة العقلية التي ادعوها دعوى باطلة؛ ولهذا انكروا السحر، انكرت المعتزلة السحر، وقالوا: ما في سحر أصلًا، لا يمكن أن تخرق العادة إلا لنبي.
لدرجة أنهم أنكروا ما جرى من سحرة فرعون، وقالوا: أن هذا مجرد لاعب فعله السحرة، وليس تخييلا في الأعين. وقد زعموا المعتزلة أيضًا وتكلفوا بأن سحرة فرعون قاموا قبل ذلك بالليل وسخنوا الأرض التي واعدا عليها موسي - عليه السلام - فرعون وسحرته ضحى، وسخنوها حتى صارت حارة، ثم أتوا إلى القضبان وملئوها بالزئبق فلما كان من الغد واصطفوا، القوا هذه القضبان التي بأيديهم وهي المملوءة بالزئبق على هذه الأرض الحارة الرمضاء، فصارت تتحرك بسبب حركة الزئبق على هذه الأرض.
-أنظروا هذا التكلف الشديد، واللهي لو حلف إنسان بين الركن والمقام أن هذا ليس مراد الله - عز وجل - ما حنث، ما فهم أحد، ولم يدر بخلد أحد من الصحابة والتابعين هذا المعنى البعيد الذي ادعاه المعتزلة لكي ينكروا أن يكون السحر حقيقة، لكن كما قال الله - سبحانه وتعالى: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) فهو تخييل، لكنه أيضًا قد وقع حقًا، وليس كما زعما هؤلاء أنه مفسر بالأمور العادية، بل هو سحر يؤثر على أبصار الناس وعقولهم، فيروا الأمر على خلاف ما هو عليه.
• فالمهم أن المعتزلة أنكروا الإرادة، والخرافيون غلو في إثباتها، والحق وسط بين طرفين وعدل بين عوجين، فإن أهل السنة والجماعة يصدقون بكرامات الأنبياء، وما يجري الله - عز وجل - على أيديهم من خوارق العادات، ثم بين الشيخ أن خوارق العادات على نوعين:
-قسم يتعلق بالعلوم والمكاشفات.