على الأسماع وتأباه العقول والنفوس؟ قالوا: لأننا لو قلنا بالإثبات؛ لشبهناه بالموجودات، ولو قلنا بالنفي؛ لشبهناه بالمعدومات، فنحن نفر من الإثبات ونفر من النفي، قلنا: قد وقعتم في أشد مما فررتم منه؛ لأنكم الآن شبهتموه بالممتنعات، من شبهه بالمعدومات أهون حالًا منكم، ومن شبهه بالموجودات أهون حالًا منكم، أنتم الآن شبهتموه بالممتنعات؛ لأنه يمتنع عقلًا أن يكون الشيء لا موجود ولا معدوم يمتنع عن ألا يُوصف بحركة ولا سكون لا بحياة ولا بموت، فهؤلاء هم غلاة الغلاة وهم القرامطة الباطنية أشد الناس تعطيلًا.
يليهم في الدرجة الثانية: الجهمية، المنسوُبون إلى جهم بن صفوان السمرقندي، وهؤلاء نفوا عن الله تعالى الأسماء والصفات، قالوا: لا يُمكن أن يُوصف الله - عز وجل - باسم ولا صفة، لماذا؟ قالوا: لأن وصفه بالأسماء أو إثبات الأسماء والصفات له تشبيه له بالموجودات، فإن قلتم: عليم، سميع، بصير، وله علم، وسمع وبصر فقد شبهتموه بالموجودات؛ لأن الموجودات تُسمى بهذه الأسماء فيُقال عن فلان عليم وسميع وبصير وله علم، وسمع، وبصر، فأنتم قد وقعتم في التشبيه بالموجودات، قلنا: فما الرب عندكم إذًا
إذا لم يكن متصفًا بالصفات ولا يُسمى بالأسماء؟ قالوا: هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، هكذا زعموا، [طبعًا قد تكون بعض التعبيرات جديدة على مسامعكم أيها الإخوان وتشمئزون منها، ولكن نحكي مقالات هؤلاء الزائغين، وأنتم طلبة علم حتى تتصورا ما يقولون، وحتى تعلموا نعمة الله علينا بهدايتنا إلى طريقة الكتاب والسنة] قالوا: نحن لا نصف الله بأي وصف ولا نُسميه بأي اسم فليس بسميع ولا بصير، ولا عليم، ولا قدير، ولا حكيم، ولا خبير، وليس له سمع، ولا بصر، ولا علم، ولا حكمة ولا قدرة، ولا حياة ... إلى آخره، عياذًا بالله ما علتكم؟ ما الذي حملكم على ذلك؟ قالوا: حتى لا نُشبهه بالموجودات؛ لأن هذه الأسماء والصفات تتعلق بالموجودات، قلنا لهم -طيب- إذًا من ربكم؟ قالوا: هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق. كيف وجود مطلق بشرط الإطلاق؟ قالوا: وجود، لكن لا يتقيد بوصف؛ لأنك إن قيدته بوصف، فقد قيدت إطلاقه، فيجب أن يكون وجود مطلق بشرط الإطلاق، قلنا لهم: هذا مستحيل، هذا لا يمكن أن يوجد إلا في الأذهان، لا يمكن أن يوجد في الأعيان، يعني: قد يتخيل الإنسان فكرة ذهنية أنه مثلًا شيء من الأشياء في الذهن، لكن لا يمكن أن يكون في الخارج يعني خارج الذهن إلا مقيدًا بصفات، فنحن نُثبت لله تعالى صفات الكمال ونعوت الجلال التي لا يُشاركه فيها أحد غيره، فلا محذور، وأنتم فررتم من تشبيهه بالموجودات فوقعتم في تشبيهه بالمعدومات.
-طيب- ننزل درجة من درجات التعطيل: وهي درجة المعتزلة، المعتزلة ماذا قالت؟ قالوا: نُثبت له الأسماء لكن لا نُثبت له الصفات، الذين قبلهم الجهمية قالوا: ننفي الأسماء والصفات، المعتزلة قالوا: لا لا، نُثبت الأسماء لكن لا نُثبت الصفات، كيف؟ وضحوا لنا؟ قالوا: نقول سميع، بصير، عليم، قدير حي لكن سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، حي بلا حياة ... إلى آخره سبحان الله! ما قيمة إثبات أسماء لا تتضمن أوصافًا؟ فحقيقة الأمر: أن المعتزلة علتهم علة الجهمية لكن أرادوا أن يَلطفوا شناعة قول