الفاتحة من القرآن وقد قرأت الإخلاص ثلاثًا فهذا يعادل ثلث القرآن، يقال: لا تُجزؤك، وإنما تعدل في الفضل لا في الإجزاء، لننظر في هذه السورة العظيمة:
• (قل هو الله أحد) نفي أو إثبات؟ إثبات، إثبات الوحدانية لله - عز وجل -، فهو أحد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
• (الله الصمد) نفي أم إثبات؟ إثبات الصمدية لله - عز وجل -، وما معنى الصمد؟ قيل فيها أقوال لا تعارض بينها:
قيل الصمد: هو السيد الذي بلغ الغاية في سؤدده وشرفه
وقيل: الصمد: بمعنى الصمَت؛ لأن الحروف تتبادل في اللغة العربية، أي: الذي لا جوف له، ولا مانع؛ لأن الشيء الأجوف ضعيف محتاج، والله تعالى صمد غني، ولأجل ذا لما خلق الله آدم، جعل الشيطان يطيف به، ينظر ما هذا الخلق، فلما علم أنه أجوف علم أنه ضعيف؛ لأن الأجوف يحتاج إلى ما يدخل في جوفه ويخرج منه، فالله تعالى صمد؛ لأن الخلائق تصمد إليه في حاجاتها، فهو السيد الشريف الذي بلغ الغاية في سؤدده وشرفه وإليه تصمد الخلائق في حاجاتها ورغباتها، هذا معنى الصمد، (لم يلد ولم يولد) نفي أم إثبات؟ نفي، وهذا نفي للتسلسل من الطرفين من الأعلى والأدنى، فالله تعالى لم يلد وفي هذا رد على من؟ على طوائف، على اليهود والنصارى والمشركين، فالنصارى تقول: المسيح ابن الله، واليهود تقول: عزير ابن الله، والمشركون يقولون: الملائكة بنات الله، فالله تعالى نزه نفسه عن الولد، لماذا؟ فقد يقول قائل: أليس الولد كمال في الآدميين؟! بلى الولد في الآدميين كمال، ولهذا من لا يولد له نقول عقيم، فيعد العقم منقصة في حق المخلوق، لكنه في حق الخالق -يعني عدم الولد - كمال لماذا؟ لأمرين:
الأول: لأن الإيتلاد سببه الحاجة، الناس يستولدون لكي يكون لهم من يعينهم، ويُغنيهم، لاسيما في زمن الكبر والله غني عن ذلك.
الثاني: لأن الولد ينبغي أن يكون من جنس أبيه، والله تعالى فرد أحد صمد، ليس كمثله شيء، فلو كان له ولد وحاشاه، لكان الولد من جنس أبيه، كما في المخلوقين، الولد من جنس أبيه، فلأجل هذا تنزه الله عن الولد (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) إذًا لم يلد، أيضًا لم يولد، هذا نفي للتسلسل من الأعلى وهذا لتمام القسمة، فهو لم يلد ولم يولد، ولا أعلم طائفة قالت بأن الإله متولد عن غيره لكن يفيد هذا قطع التسلسل من الأعلى والأدنى، ويدل على كمال وحدانيته سبحانه.
• ثم قال: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص/4] ، أيضًا هذا نفي، فنفى المكافأ عن الله - عز وجل - كائنًا من كان
• و (أحد) نكرة في سياق النفي؛ فدلت على العموم، فلا مكافأ له.
-إذًا سورة الإخلاص مثال بديع للجمع بين النفي والإثبات، آيتان منها في الإثبات، وآيتان منها في النفي.