يضيع عقلك وفكرك في هذه السعة الهائلة، الله تعالى يعلم ما في البر وما في البحر.
ماذا أيضا؟ هذا من حيث المَوجُودات، لكن حتى المُتحركات - (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) - [الأنعام]
الله أكبر، هذه الورقة التي تسقط من الشجرة تتهادى حتى تقع على الأرض، الله تعالى يعلم حركتها مذ سقطت إلى أن استقرت، لو وقفت أنت على الشجرة التي جوار باب بيتكم أو في داخل فنائكم لتحصي ما وقع منها من أوراق، وما نمى من أوراق، لاحتاج الأمر إلي فريق عمل، يمكن لوحدك لا تستطيع أن تقوم بتسجيل هذه الحركات والمتغيرات من سقوط الأوراق ونموها ونحو ذلك؛ فما بالك لو كان الأمر غابات مد البصر، في الأمازون، وفي أواسط أفريقيا، ومجاهل استراليا وغير ذلك، كل هذا الله تعالى يعلمه
• (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) ، (وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [الأنعام] الله أكبر، شيء مدهش حتى في ظلمات الأرض الله يعلمها، أحيانا تكون في البرية ثم ترفع حجر فإذا بك تكتشف عالم خلية، حبوب مجتمعة، دُويبات وحشرات، الله تعالى قد علم بهذه الحبة في هذا المكان النائي الذي قد علمه الله تعالى بسعة علمه، الذي لا يعزبُ عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.
• - (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ) - الأرض والأشياء إما رطبة وإما يابسة، ففي هذا معنى الإحاطة، الرُطوبة واليُبوسة وصفان متقابلان.
• - (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) - ما ذلكم الكتاب؟ اللوح المحفوظ، الذي ضم جميع العلوم.
مثل هذه الآية أيها الإخوة تبني الإيمان في النفس، تجعل العبد مستغرق في إثبات صفة العلم لله - عز وجل - وينعكس أثرها المسلكي عليه؛ لأنه يعلم أنه مكشوف لله، فإذا أوصد الأبواب وأرخى الستور وقال خلوت حينئذٍ يتذكر أن الله لا تخفى عليه خافية،
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل *** خلوت ولكن كل عليا رقيبُ
-أرأيتم الأثر المسكلي الذي يثمرهُ الإيمان بأسماء الله وصفاته، يعلم الإنسان أنه تحت سمع الله وبصره أين المفر؟ أين يذهب؟ هذا يزرع في قلبه الرقابة والخشية، ولهذا يُقال أن رجلًا خلا بامرأةٍ في برية فقال: إني أُحبك. فقالت: وأنا والله أُحبك. قال: وإني أُريد كذا وكذا من - شهوات النفس- قالت: وأنا والله أريد. قال: فما الذي يمنعنا ولا يرانا إلي الكواكب قالت: فأين مُكوكبها. فخر مغشيًا عليه.
• ذكرته بهذا المعني العميق، ذكرته بالله. فهذه كما قال الله تعالى:- (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) - [الملك/12] هذا من آثار الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته.
• استدل المصنف رحمه الله أيضا بأية دالةٍ على العلم وهي قوله تعالى: - (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) - [فصلت] ، لا تظنُ أن الأنثى ها هنا هي أنثى بني آدم فقط، كل أنثى - (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) ؛ لأن أنثى جاءت نكرة في سياق الشرط - (إِلَّا بِعِلْمِهِ) - فتدل على العموم، إذًا كل حمل ووضع فهو داخل تحت علمه سبحانه وبحمده، ولا شك أن هذا المعني يتبادر بالنسبة لحمل بني آدم