الصفحة 56 من 280

• - (الْبَصِيرُ) - يدل على إثبات البصر لله - عز وجل -، فليس شيء من المرئيات الموجودات يخفى على الله يسمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء.

-وهذه المعاني أيها الإخوة توجب للمؤمن أيضًا الأنس بالله، وتوجب للمؤمن كمال رقابة الله.

أما الأنس بالله: فلأن المؤمن إذا علم أن ربه سميع بصير، أحس بالأنس وأنه ليس وحيدًا، قال - سبحانه وتعالى: - (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) - [طه/46] أنت حينما تكون في مكان مَخُوف، ثم تتذكر أن الله يراك يرى مكنك، ويسمع كلامك إذا ناجيته، ويعلم بحالك، هذا يفيض على قلبك من معاني والأنس والانشراح والطمأنينة، والثبات مالا تصفه الكلمات، وتأمل حال الكافرين الذين لا يؤمنون بأن الله سميعٌ بصير، ماذا يلحقهم من الوحشة والاغترار والشعور بالعزلة والانفراد، شيء شديد، أما المؤمن فإنه يُحس بأنه تحت سمع الله وبصره، إذا دعا ربه سمعه، في كل فرض - سمع الله لمن حمده - هل تأملنا في هذه الجملة، فالله يسمع إذًا هو سميع وهو بصير.

-كذلك توجب للإنسان من الآثار المسلكية، أن يعقل لسانه أن يقول زورًا أو فُحشًا أو نكرًا يسمعه السميع وتحُد بصره عن أن يفعل شيء، أو يستر منه شيء يراه عليه البصير، الذي لا يخفى عليه خافية.

-ثم تحمله أيضًا على أن يقول قولًا حسنًا كريمًا يسمعه السميع فيثيبه عليه، وأن يفعل فعلًا حسنًا كريمًا يراه البصير فيثيبه عليه كل هذا من أثار العلم بأسماء الله وصفاته.

• ثم قال: وقوله: - (إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) - [النساء] إذًا هذه الآية والآية السابقة في إثبات صفة السمع والبصر، - (إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا) (نِعِمَّا) أصلها: نعم ما، فحصل إدغام متماثلين كبير؛ لأن نعم ما كلاهما محرك فصارت- (نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) - يعني نعم ما يعظكم به.

• - (إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) كان هنا دليل الثبوت والاستمرار، لا دليل المُضي، فهو سبحانه سميع بصير ولما قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية وضع أُصبعيه السبابتين على عينيه وإبهامه على أُذنيه، وذلك لتحقيق الإثبات، لا أن سمع الله كسمعنا، ولا أن بصر الله كبصرنا، حاشا وكلا، فهو أعلم الناس - صلى الله عليه وسلم - بربه، لكن أراد - صلى الله عليه وسلم - تحقيق إثبات، يعنى أن الله له سمع حقيقي، وله بصر حقيقي.

والسؤال: هل ينبغي للإنسان أن يفعل هذا أمام العامة أم لا؟ يعني إذا تلى هذهِ الآية أن يضع السبابة على عينه، والإبهام على أُذنه؛ هل ينبغي له أن يفعل هذا؟

-إن خشي أن يتسلل إلى العوام لوثة التشبيه، فلا عليه أن يدع، وإذا كان بين قوم عارفين للقواعد والأصول وأن الله ليس كمثله شيء، فمن السنة أن يفعل كما فعل - صلى الله عليه وسلم -.

-هذا الحديث وأمثاله من أحاديث أُخر تدل على تحقيق الإثبات، لا كما توهم المتوهمون أنها تدلُ على التشبيه، حاش وكلا، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أخبر عن ربه - (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) - [الشورى] فدل ذلك على تحقيق الإثبات لأن المعني مشترك، فماذا يعني السمع؟ يعني إدراك الأصوات، وماذا يعني البصر؟ إدراك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت