• الثالثة: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [التوبة: 7] . المراد بذلك: المشركين الذين عاهدهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، أمره الله - عز وجل - أن يفي لهم بعهدهم إلى مدتهم، وأنهم متى استقاموا على العهد، ولم ينقضوه، ولم يبدر منهم إخلال، ولم نخش منهم خيانة فننبذ إليهم على سواء أننا نستقيم إليهم في عهدهم، علل الله ذلك بقوله (إن الله يحب المتقين) والمتقون هم الذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية، بما؟ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، هذه هي التقوى.
خلي الذنوب صغيرها *** وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أرض *** الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة *** إن الجبال من الحصى.
فالتقوى يا إخوة -نسأل الله أن يرزقنا وإياكم ذلك- هي شعور وإحساس يقوم في القلب يحجز العبد أن يغشى محارم الله، شعور يصاحب العبد في خلاواته وجلاواته، ليس فقط في الجلاوات والعلانية، لا، إذا أوصد الأبواب وأرخى الستور ولم يكن بينه وبين محبوبات نفسه حائل، حينئذٍ يتبين (إن الذين يخشون ربهم بالغيب) فهذه التقوى من أعظم مراتب العبادة،"إن أكرمكم عند الله أتقاكم"والمقصود أن الوفاء بالعهود دليل التقوى، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) فأثبت الله - سبحانه وتعالى - لنفسه محبة هذه الطائفة.
• (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: 222] . هذا صنف آخر من المحبوبين، التوابون: وهي جمع تواب، وهو اسم يطلق على الرب ويطلق على العبد، فمن أسماء الله الحسنى (التواب) ؛ لأنه كثير التوبة على عباده، ولهذا جاء في الحديث"لولا أنكم تخطئون فتستغفرون أو تذنبون فتستغفرون لذهب الله بكم، وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون"لأن الله يحب التوبة.
والتواب يطلق أيضًا على العبد كثير التوبة، فالعبد كثير التوبة يقال عنه: تواب.
وأصل هذه المادة (تاب، وثاب، وآب) بمعني متقارب، أي رجع وعاد، وذلك أن التائب يرجع من المعصية إلى الطاعة، هذا سبب تسمية التوبة بهذا الاسم، فالله - عز وجل - يحب التوابين، وهو يحب التوبة أيضًا كما في الحديث الذي سيأتي لاحقًا"لله أشد فرحًا بتوبة عبده".
• (ويحب المتطهرين) المتطهرون هم: المتطهرون من الأقذار الحسية والمعنوية:
-فالأقذار الحسية هي: النجاسات، العين الخبيثة من بول أو غائط أو ما شابه ذلك، فهم يتنزهون عنها.
-ومن الأقذار المعنوية وهي: الشرك، والبدعة، والمعصية.
فالله - سبحانه وتعالى - يحب التوابين ويحب المتطهرين، محبة حقيقية لائقة به سبحانه.
-هذه الآيات أيها الإخوان دلت على إثبات صفة المحبة لله، وقد أنكر المحبة الأشاعرة وغيرهم، قالوا: - وانتبهوا لدليلهم- أن المحبة نوع من الميل في النفس والضعف، والله منزه عن ذلك.