الصفحة 64 من 280

هذا دليل أم تعليل؟ تعليل، لكنه تعليل عليل، لماذا؟ لأن هذه المحبة التي وصفوها محبة من؟ محبة المخلوق، لكننا نقول: لله محبة تليق به، ونقول لهم أيضًا: أليس الله - سبحانه وتعالى - قد أسند هذه الصفة إلى نفسه؟ فهل أنتم أعلم بالله - سبحانه وتعالى - من الله؟! هل أنتم أصدق قيلا من الله - عز وجل -؟! هل أنتم أحسن حديثا؟! أمَاَ لو شاء الله لعبر بغير ذلك، فكونه - سبحانه وتعالى - يكرر هذا في مواضع متعددة، ويعلقها بأشخاص، وأزمان، وأمكنة، وأحوال متعددة دليل على أنه - سبحانه وتعالى - أراد حقيقتها، فالله - سبحانه وتعالى - له محبة حقيقية.

-ثم نقول لهم: ها أنتم تثبتون لله صفة الإرادة، مع أن الإرادة ميل النفس لاختيار أحد أمرين.

فإن قالوا: لا، لا، تلك إرادة المخلوق.

قلنا لهم: وأيضًا وتلك محبة المخلوق، فإذا كنتم تثبتون لله - عز وجل - إرادة لا تشبه إرادة المخلوق، فأثبتوا لله محبة لا تشبه محبة المخلوق سواءًا بسواء، لا فرق بين ما أثبتموه وبين ما نفيتموه، كلها من بابة واحدة ويلزمكم فيما أثبتموه نظير ما فررتم منه فيما نفيتموه -هذا ليس لغزا- كيف ذلك؟

نقول: (يلزمكم فيما أثبتموه) أنتم أثبتم لله - عز وجل - الإرادة، -طيب- يلزمكم في إثبات الإرادة نفس اللازم الذي أنكرتموه على من أثبت المحبة، والرضا، والسخط، فإنكم إنما نفيتم المحبة، والرضا، والسخط، وغير ذلك، زَعَما منكم بأن هذه صفات للمخلوقين، فنقول لكم نفس الشيء: الإرادة من صفات المخلوقين، فإن قُلتم: إرادة تليق به. قلنا لكم: محبة تليق به. وهكذا فالواجب أن نُجري كلام الله - سبحانه وتعالى - مجرى واحد، وألا نفرق بين المتماثلات، ونعتقد تنزيه الله - سبحانه وتعالى - في كل ما أضافه لنفسه، ليس كمثله شيء له المثل الأعلى وبهذا نكون أسعد الناس بالدليل، لا نشقى بالقرآن، قال الله - سبحانه وتعالى: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى) [طه/2] أما المتكلمون من أنواع المحرفين والمعطلين فقد شقوا بالقرآن؛ لأنهم صاروا يبحثون له عن أنواع التأويلات، والتعسفات، وغير ذلك؛ فشقوا به، بينما أهل السنة والجماعة طابوا به نفسًا، وقروا به عينًا ورأوا أن القرآن العظيم حق على حقيقته لا يحتاج إلى مساعدة خارجية، وتأويل خارجي، وغير ذلك، بل هو دال على مراد الله - عز وجل - مباشرة؛ فلهذا كان أسعد الناس بالقرآن هم أهل السنة والجماعة.

بمقابل ذلك ساق الشيخ رحمه الله ما يضيف معنى آخر، فقال:

• وَقَوْلُهُ: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران: 31] . هذه الآية أيها الإخوان دلت على إثبات المحبة من الطرفين، يعني أنه يُحِب ويُحَب، والعجب أن الأشاعرة ينكرون أن يكون الرب يُحِب، يؤولنها بتأويل بارد، يقولون: محبة الله لعبده، أي: إحسانه إليه، ومحبة العبد لربه أي طاعته له.

ففسروا الشيء بلازمه، لم يفسروا الشيء بحقيقته، وفرق بين تفسير الشيء بلازمه، وتفسيره بحقيقته فنحن نقول: المحبة شيء، والإحسان شيء آخر، نضرب مثالًا على ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت