حينما أُحب طفل أعطيه ما يسره من الهدايا، والنقود، وغير ذلك أُحسن إليه، المحبة وصف قائم في أعطيته أو لم أُعطه، والإحسان وصف عملي زائد عن ذلك، مما يدل على أن تفسير هذا بهذا ليس تفسير للشيء تفسير مطابقة، بل من تفسير الشيء بلازمه.
قالوا أيضًا: أن الرب لا يمكن أن يُتصور أن يكون محل لمحبة العبد، وأن المقصود بمحبة العبد هو: طاعة الرب.
فيقال لهم: سبحان الله! ما المانع أن يكون العبد يُحب ربه؟! هذا أمر تجدونه في نفوسكم، يُحبهم ويُحبونه، والتعليلات الكلامية، والمنطقية لا تُجدي شيء؛ لأنهم يقولون: لأنه لا يوجد تجانس بين الطرفين؛ فلا يمكن أن يقع محبة من الطرفين.
سبحان الله! من قال ذلك؟ هل هذه آية؟ أو حديث؟ أو ماذا حتى تحتجوا بهذه المقدمات الكلامية المزخرفة على إبطال كلام الله - سبحانه وتعالى -، وكلام نبيه - صلى الله عليه وسلم -؟ بل نقول: إنه - سبحانه وتعالى - يُحِب ويُحَب، ومحبته تليق به - سبحانه وتعالى - ومحبة العبد تليق به.
والعجب أن يصدر من علماء نعلم تقواهم، ومحبتهم لله، لكن هذا من شؤم المقدمات الباطلة، وإلا فإني أجزم أن كثيرًا ممن درج على هذا من علماء الأشاعرة وغيرهم من المعروفين بالنصح للملة، والعناية بعلوم الشريعة أنهم يجدون في قلوبهم محبة حقيقية لله - سبحانه وتعالى - تحملهم على الورع، والعبادة، والزهد، وغير ذلك، لكن هذا شؤم المقدمات المنطقية التي أفسدت العقول والأديان، فنقول كما قال ربنا - عز وجل: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) هذه الآية أيها الإخوان تسمى آية المحنة، لأنها في الحقيقية امتحان لكل دعي يدعي محبة الله، فيقال له: بيننا وبينك الاتباع (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) فكثير من أدعياء محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن أدعياء محبة الله - سبحانه وتعالى - يملؤون الجو قصائد، ومدائح، وثناء، وصلاة وتسليما، ثم إذا دعوتهم إلى السنة وامتثال الأوامر واجتناب المناهي، وإذا هم ينفرون نفرة حمر الوحش أين المحبة إذًا؟! إن كنت تحبه حقًا فاتبعه؛ لأن المحبة الحقيقية تثمر الاتباع، أما أن تتدعي محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتخالف سنته لاسيما في أعظم ما جاء به وهو توحيد الرب - سبحانه وتعالى - فهذا يدل على سقوط الدعوى
وليست الأمور بالدعاوى إنما الأمور بالبينات.
• ثم استدل بقوله: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: 54] . أول هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) أرأيتم؟ ما أصرح هذه الآية في حصول المحبة من الطرفين، يحبهم سبحانه محبة تليق به، ويحبونه سبحانه محبة تليق بهم فمحبة الآدمي