صفة الوجه واليدين، والعينين، ما أمكنك أن تصل إلى شيء -أليس كذلك- ولكن هذا التعريف يشترك معه الصفات الفعلية فإن الصفات الفعلية أو بعضها أيضا لا يمكن إثباتها بالعقل المجرد، فلو أنك قضيت الدهر تحاول أن تثبت عقلًا صفة النزول ما أمكنك، لو لم يأت بذلك نص من الله - عز وجل - أو من نبيه - صلى الله عليه وسلم -. فالمقصود بالصفات الخبرية: صفة الوجه واليدين، والعينين، والساق، وما جاء على مثل هذا النحو، فالواجب علينا أن نثبت أيضا ما أثبته الله - سبحانه وتعالى - لنفسه وهذه ميزة طريقة أهل السنة والجماعة، أنهم يسوقون الكلام في باب الصفات سوقًا واحدًا لا يفرقون بين المتماثلات، بينما أهلُ البدع اضطرب ميزانهم فصاروا يقولون في موضع ما يخالفونه في موضع ويتناقضون مع أنها كلها خرجت مخرج واحد، فما وجه إثباتكم هنا ونفيكم هنا؟! لا وجه له.
• قال - سبحانه وتعالى - (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) - [الرحمن/27] ، أثبت الله تعالى لنفسهِ وجه كريما ووصفه بالجلال والإكرام، فهذا الوجه الموصوف ذو جلال - (ذو) بمعنى صاحب في اللغة، فهو (ذو جلال) يعني جلالة وبهاء وحسن، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (حجابه النور لو كشفه لأحرق سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره مِنْ خَلْقِهِ) ، (السبُحات) يعني أنواره وبهائه. (وَالْإِكْرَامِ) لأنه محل الإكرام.
• دلت الآية على إثبات صفة الوجه لله - سبحانه وتعالى - فيعتقد أهل السنة والجماعة أن لله تعالى وجهًا كريمًا موصوفًا بالجلال والإكرام لا يشبه وجوه المخلوقين، هذا معتقد أهل السنة والجماعة.
• وشرق أهل البدع بهذه الصفة وأنكروا صفة الوجه، وقالوا: لا، ليس لله وجه حقيقي، وقالوا في هذه الآيات المحكمات التي وردت أن المراد بالوجه الذات، أو الثواب.
كل هذا محض تأويل، تحريف، ولو طولبوا بأن يقيموا دليلًا واحد على هذا ما أمكنهم أن يأثروا دليلًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - أنه فسر هذا بهذا، وإنما هو محض تخرص، وتجرئ منهم على النصوص، ثم إنا نقول لهم إن مسلككم هذا يبطله النص نفسه، لأن الله تعالى قال- (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) ، ألا ترون أن الله - سبحانه وتعالى - أضاف الوجه إلى الذات، والمضاف غير المضاف إليه، وجه ربك.
• ثم نقول لهم ثانيًا: أن الله - سبحانه وتعالى - وصف الوجه بأنه ذو جلالٍ وإكرام، ولو كان المراد بذلك الذات لقال - ويبقي وجه ربك ذي الجلال والإكرام - كما قال في آخر السورة - (تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام) - [الرحمن/78] لو كان المراد بالوجه الذات لقال - سبحانه وتعالى: - (ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام) - [الرحمن/27] ليجعل الجلال والإكرام صفة للرب، لكنه جعلها صفة للوجه، فقال - سبحانه وتعالى: (ذو) ؛ لأن وجه فاعل مرفوع فاعل ويبقي وجه، فجاء الاسم من الأسماء الخمسة موافق له في الرفع، - (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) - [الرحمن/27] ، إذًا تبين بهذا لحن قولهم.