-ونضيف أيضًا على من قال أن المراد بقاء الثواب، قلنا كيف يستقيم هذا؟ أليس ثواب الرب مخلوق؟ بلى لأنهما يُثيب به عباده. هل هذا الثواب يبقي وقد قال الله - سبحانه وتعالى - (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) - [الرحمن/26] ؟ فإذا كان كل من عليها فان فكل شيء يفنى حتى الثواب، أو النعم، وغير ذلك، وإنما يبقى وجه ربك، ولكنه يسعُنا في التعبير أن نقول: إنه عبر بالوجه عن الذات؛ لأنه صفتها، والعرب تستخدم هذا، وتعبر بالبعض عن الكل وبالوجه عن الإنسان، لكن من شرط ذلك أن يكون متصفًا بالوجه فتقول مثلًا لصاحبك: والله إكرامًا لهذا الوجه سأفعل كذا وكذا، أو إكرامًا لوجه لن أفعل كذا وكذا، لتوافقه وترضيه، وأنت لا تقصد فقط دائرة وجهه، تقصدهُ بمجموعه، لكنك عبرت بأكرم ما فيه؛ لأن الوجه مشتق من المواجهة، فلما كان الله تعالى متصف بالوجه ومن صفاته الوجه عبر عن ذاته بالوجه، وفرق بين أن نقول: عبر عن الذات بالوجه، وبين أن نقول: الوجه هو الذات، هذا الثاني تحريف وتأويل للوجه بالذات، أما إذا قلنا: إن له ذات لا تشبه الذوات، ومن صفاتها صفة الوجه الذي لا يشبه الوجوه، فهذا هو الكلام المستقيم.
• ثم استدل بقوله - سبحانه وتعالى - (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) - [القصص/88] ، وهذا دليلٌ على أن الله تعالى هو الآخر كما سمى نفسه، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله وهو يخطب على المنبر قال: يطوي الله السموات بيمينه ويقبض الأراضين ويقول: أنا الملك أنا الجبار أين ملوك الأرض، قال: فلا يجيبه أحد، فيجيب الجبار نفسه ويقول: لمن الملك اليوم، فلا يجيبه أحد فيجيب الجبار نفسه: لله الواحد القهار، حتى قال ابن عمر - رضي الله عنه - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرك يده على المنبر وأنا أنظر إلى أصوله تتحرك، فقلت: أخارٌ هو برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك لأن نبينا - صلى الله عليه وسلم - يعرف ويقدر معاني الكلّم والدلالات، فهو حينما ذكر ذلك لأمته من صفة ربه - عز وجل - أخذه من التعظيم ما جعله ينفعل ويحرك يده إلى الأمام وإلي الخلف حتى كان المنبر بأكمله يهتز به - صلى الله عليه وسلم -.
-إذًا هو الباقي - سبحانه وتعالى - (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) - [القصص/88] . ودل ذلك على إثبات صفة الوجه الله - سبحانه وتعالى - إذا هذا هو الواجب علينا، هذا هو طريق السلامة، أن نثبت لله ما أثبت لنفسه، أترون أن الله - عز وجل - سيقول لأحد يوم القيامة لما أثبت لي وجهًا؟ فماذا يقول العبد؟ يقول: يا رب وجدت هذا في كتابك وفي سنة نبيك - صلى الله عليه وسلم -، لكن ما حال هذا الذي حرف الوجه بالثواب أو الذات؟ ما دليلهُ عند ربه إذا سأل على نقله الكلام عن ظاهره إلي غير ظاهره؟ أين الدليل على هذا العبث وعلى هذا التجني على النصوص؟ وعلة القوم أنه سبق إلى قلوبهم لوثة التشبيه، فظنوا وجهً كوجوه المخلوقين، فهربوا من التشبيه ووقعوا في التعطيل، وهكذا كما يُقال مثل حركة البَندول - الثقل المُعلق بخيط - إذا أطلقته من ناحية اليمين ذهب إلي أقصى اليسار، ثم من أقصى اليسار إلي أقصى اليمين، أما الاعتدال أن يكون في الوسط، كما كان أهل السنة والجماعة.