-وأيضًا مما يدل على إثبات صفة الوجه: الأحاديث الصحاح التي لا تحتمل تأويلًا في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَت سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ) ، هل يمكن أن يقول عن الوجه إنه الثواب أو الذات؟
قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعائه: (وأسألك لذة النظر إلي وجهك والشوق إلي لقائك) ، كذلك كل هذا يدل على أن لله تعالى وجه حقيقي يليق بجلاله وعظمته.
• ثم ذكر المصنف رحمه الله أدلة إثبات اليدين فقال: وَقَوْلُهُ: (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص: 75] . الخطاب هنا لإبليس، الله - سبحانه وتعالى - يحاكمه، ويسائله (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) والله أعلم بالحال وبالجواب، وبالمآل، لكن هذا من باب إقامة الحجة، وذلك أن الله تعالى خلق أبانا آدم بيديه الكريمتين، ونفخ فيه من روحه، وأمر ملائكته بالسجود له، وكان إبليس في جملة الملائكة، وإن لم يكن منهم فإن إبليس كما جاء في الآية بصراحة أنه من الجن قال - عز وجل - (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) - [الكهف/50] وإنما انضمامه إلى الملائكة كان بسبب -كما قيل- تفانيه في العبادة ورُقيه فيها مراتب عُلا حتى بلغ مصاف الملائكة لكن خانه أصله والعياذ بالله، فلما أمر الله - سبحانه وتعالى - الملائكة بالسجود لآدم خروا ساجدين؛ لأنهم ذووا عبادة حقيقة لله - عز وجل - قال الله - سبحانه وتعالى - في شأنهم: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم/6] أما إبليس فقد قام في قلبه من الكبر ما منعه من ذلك وقال:- (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) - [الأعراف/12] وقال: (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) [الإسراء/61] وقال: (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء/62] ، فكان معترض على الله - عز وجل -، ولهذا أول ذنبٍ عُصي الله به الكبر، فالله - سبحانه وتعالى - وجه له هذا السؤال ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي؟ فأثبت الله - عز وجل - لنفسه اليدين بصيغة التثنية.
-إذًا الواجب علينا أن نثبت لله - سبحانه وتعالى - ما أثبته لنفسه.
• ثم استدل أيضًا بقوله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان ِيُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء) [المائدة: 64] ، قاتلهم الله ما أجرائهم على الله - عز وجل -.
• قالوا: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) ، كناية عن البخل، لأن إذا كانت اليد مغلولة فإنها مكفوفة عن العطاء، فوصفوا الله - سبحانه وتعالى - بالبخل قاتلهم الله، فقال الله - سبحانه وتعالى - (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) وهذا دعاءٌ عليهم، وفعلًا تحقق هذا الدعاء، فلا تجد يهوديًا إلا بخيلًا هذا أمر متفق عليه بين جميع شعوب العالم، أن اليهود هم أهل البخل، وأدرى الناس بذلك الغربيون الذين عايشوهم وخالطوهم، حتى إن من أشهر الروايات من روايات شكسبير - روائي وكاتب انكليزي- له رواية مشهورة اسمها تاجر البندقية، أقام روايته هذه على فكرة أن تاجرً يهوديًا أقرض شخصًا الذي هو بطل القصة أواقي من ذهب- طبعًا أقرضه بربا- وأمهله مدة معينة إن لم يحضر المال فإنه يقتطع رطلا من جسده. فمدار القصة كلها على أن شخصية اليهودي في التفكير الغربي هي شخصية البخيل الممسك الحاقد،