الثاني: لو كان الله - سبحانه وتعالى - خلق آدم بقدرته لما كان لآدم مزية على سائر المخلوقات ولا على إبليس، لكان شأنه شأنهم؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - إذا أرد شيء قال له: كن فيكون، دون أن يفعل ذلك بيديه - سبحانه وتعالى -، لكن لما خلقه الله - سبحانه وتعالى - بيديه دل على مزيد كرامة؛ ولهذا أسجد الله تعالى لهُ ملائكته.
الثالث: لو كان المراد باليد القدرة، للزم من ذلك إثبات قدرتين لله - عز وجل - لأنه قال:- (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) - بالتثنية، ومعلوم أن الله له قدرة واحدة، يقدر بها على كل شيء، ولا يوجد أحد يثبت لله - سبحانه وتعالى - قدرتين، فهذا أيضًا ناقضٌ، هذا التثنية تدل على أن المقصود يدين حقيقيتين، فدل ذلك أيضا على إبطال معتقدهم.
ولو قالوا: المراد باليد النعمة.
نقول لهم: هل تُحصر نِعَم الله بنعمتين؟ نِعم الله إن تعد لا تحصي قال الله - عز وجل - (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) - [النحل/18]
• فائدة جانبية: وقد اخترت هذا التعبير (إن تُعد لا تحصى) ، وإن كان الدارج أن يقال: لا تُعد ولا تحصى لكن لو تأملت لوجدت أن الله - عز وجل - قال:- (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) - فجعل العد ممكنًا والإحصاء ممتنعًا فكأن التعبير الأدق أن يُقال: إن تُعد لا تحصى.
-نعود ونقول: إن لازم قول القائلين بأن اليد بمعني النعمة أن يكون الرب سبحانه له نعمتان فقط والله - عز وجل - قد قال:- (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) - [النحل/18]
-وقال - سبحانه وتعالى: - (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) - [لقمان/20] ، فأتى بها بصيغة الجمع.
-ونقول أيضا إن نصوص السنة ملأى بإثبات يدين، وأضاف النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل أضافت نصوص الكتاب إلى هاتين اليدين أوصافًا لا تنبغي إلا للأيدي الحقيقية، فإن القبضة، والطي، والهز، والبسط، والأصابع، من صفات الأيدي الحقيقية، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أيضًا، وبسم اليمين، والكف، واليد، واليد الأخرى، كل ذلك يدل على أنها يدان حقيقيتان فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يطوي الله السموات بيمينه ويقبض الأراضين) وهذا القبض والطي من صفات الأيدي وكذلك ذكر الأصابع (بين أُصبعين من أصابع الرحمن) فله أصابع تليق به سبحانه، ويجب على المؤمن ألا يستشنع شيء مما أثبت الله لنفسه؛ لأنه يفهم ذلك في مقام التنزيه ومهما تبادر إلي الذهن من صور التمثيل فإنها باطلة، لا تنبغي لله؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - لايُقاس بخلقه - (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) - لكن نثبت ما أثبته لنفسه كما قال - سبحانه وتعالى: - (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) -.
-إذًا تبين لنا وضوح ذلك وأن هذه من الصفات الخبرية الواجب إثباتها لله - عز وجل -.
• نختم بصفة العينين؛ لأنها أيضا من الصفات الخبرية.
• قال: وَقَولُهُ: - (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) - [الطور/48]
• وَقَولُهُ: - (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) - [القمر: 13: 14]