وقال الشيخ محمد العثيمين رحمه الله في الشرح الممتع: قوله (وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ بغَيْرِ حَاجَةٍ عُزِّرَ) أي: من حاول إخراج المني حتى خرج بيده، سواء كان ذكرًا أو امرأة، وقوله: (بغير حاجة) أي: من غير حاجة إلى ذلك، والحاجة نوعان:
أولًا: الحاجة الدينية: فهو أن يخشى الإنسان على نفسه من الزنا، بأن يكون في بلد يتمكن من الزنا بسهولة، فإذا اشتدت به الشهوة، فإما أن يطفئها بهذا الفعل، وإما أن يذهب إلى أي مكان من دور البغايا ويزني، فنقول له: هذه حاجة شرعية؛ لأن القاعدة المقررة في الشرع أنه يجب أن ندفع أعلى المفسدتين بأدناهما، وهذا هو العقل؛ فإذا كان هذا الإنسان لابد أن يأتي شهوته، فإما هذا، وإما هذا، فإنا نقول حينئذٍ: يباح له هذا الفعل للضرورة 0
ثانيا الحاجة البدنية: فأن يخشى الإنسان على بدنه من الضرر إذا لم يُخرج هذا الفائض الذي عنده؛ لأن بعض الناس قد يكون قوي الشهوة، فإذا لم يخرج هذا الفائض الذي عنده فإنه يحصل به تعقد في نفسه، ويكره أن يعاشر الناس وأن يجلس معهم، فإذا كان يخشى على نفسه من الضرر فإنه يجوز له أن يفعل هذا الفعل؛ لأنها حاجة بدنية، فإن لم يكن بحاجة، وفعل ذلك فإنه يعزر، أي: يؤدب بما يردعه 0
واستفدنا من كلام المؤلف أن الاستمناء باليد من غير حاجة حرام، مع أنه لم يصرح به، لكن إيجاب التعزير على فاعله يدل على أنه معصية؛ لأنه سبق لنا أن التعزير يجب في كل معصية، وعلى هذا فيكون حرامًا، وإذا قلنا: إنه حرام فإنه يحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل في غير العبادات الحل، والدليل قوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ) أي: الأزواج وما ملكت اليمين، فمن طلب الوصول إلى اللذة ولم يحافظ على فرجه فابتغى وراء ذلك (فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) [المؤمنون: 5 ـ 7] ، والعادي معناه المتجاوز للحد، وهذا يدل على حرمته، ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) (1) ، ووجه الدلالة من ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ؛ لأن هذه العادة الاستمناء لو كانت جائزة لأرشد إليها النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنها أهون من الصوم، لا سيما عند الشباب؛ ولأنها أيسر؛ ولأن الإنسان ينال فيها شيئًا من المتعة، فهي جامعة بين سببين يقتضيان الحل لو كانت حلالًا، والسببان هما: السهولة واللذة، والصوم فيه مشقة وليس فيه لذة، فلو كان هذا جائزًا لاختاره النبي عليه الصلاة والسلام وأرشد إليه؛ لأنه موافق لروح الدين الإسلامي لو كان جائزًا، وعلى هذا فيكون الحديث دليلًا على التحريم، ويمكن أن نستدل بقوله تعالى (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) [النور: 33] ؛ بدلالة الأمر (وَلْيَسْتَعْفِفِ) على أنه قد ينازع هنا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1 -أخرجه البخاري في النكاح باب من لم يستطع الباءة فليصم (5066) ، ومسلم في النكاح باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه (1400) عن ابن مسعود رضي الله عنه