الصفحة 23 من 116

ولهذا المعنى يوجد في كلام السلف كثيرًا مدح السنة ووصفها بالغربة، ووصف أهلها بالقلة، فكان الحسن - رحمه الله - يقول لأصحابه: يا أهل السنة! ترفقوا - رحمكم الله - فإنكم من أقل الناس.

وقال يونس بن عبيد: ليس شيء أغرب من السنة وأغرب منها من يعرفها

وروي عنه أنه قال: أصبح من إذا عرف السنة فعرفها غريبًا وأغرب منه من يعرفها.

وعن سفيان الثوري قال: استوصوا بأهل السنة فإنهم غرباء.

ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة: طريقة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات والشهوات.

ولهذا كان الفضيل بن عياض يقول: أهل السنة من عرف ما يدخل في بطنه من حلال

، وذلك لأن أكل الحلال من أعظم خصائل السنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. ثم صار في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم السنة عبارة عما سَلِمَ من الشبهات في الاعتقادات، خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم بأسم السنة، لأن خطره عظيم والمخالف فيه على شفا هلكة. وأما السنة الكاملة فهي الطريق السالمة من الشبهات والشهوات، كما قال الحسن ويونس بن عبيد وسفيان والفضيل وغيرهم، ولهذا وُصِفَ أهلُها بالغربة في آخر الزمان لقلتهم وغربتهم فيه ومثله قول أبن مسعود: يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من الأمَة، وإنما ذل المؤمن آخر الزمان لغربته بين أهل الفساد من أهل الشبهات والشهوات، فكلهم يكرهه ويؤذيه لمخالفة طريقته لطريقتهم، ومقصوده لمقصودهم، ومباينته لما هم عليه )) [1] .

(1) كشف الكربة: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت