ويؤكد هذا ما حكاه الله في موضع آخر من شهادة اليهود للوثنيين ضد الموحدين المؤمنين، قال تعالى: (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ الله وَمَنْ يَلْعَنِ الله فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ) ).
وذلك أن اليهود حصروا أنفسهم في خندق واحد مع مشركي العرب في الحرب الدائرة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم وزكوا ديانة العرب الوثنية، وفضلوا أهلها على المؤمنين.
عن أبن عباس رضي الله عنهما قال: (( لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم؟
قال: نعم.
قالوا: ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية؟
قال: أنتم خير منه.
قال: فأنزلت: (( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) )، وأُنزلت: (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) ... إلى قوله: (( فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ) ).
ومعنى ذلك أن الله وصف الذين أُوتوا نصيبًا من الكتب -من اليهود-، بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، وأنهم قالوا: إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به، وإن دين أهل التكذيب لله ولرسوله أعدل