الاثنين ثالث ربيع الآخر فاجتمعوا به عند النبك وكلمه الشيخ تقي الدين [1] كلاما قويًا شديدًا فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين ولله الحمد [2] .
ومن ثم لما صلح حال الناس من خلال تصفية ما كان في قلوبهم من الدخن والوهن، أخبرهم _ رحمه الله _ بنصر الله لهم، وذلك بقوله (( فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر
(1) لو حدث مثل هذا الأمر في زمننا هذا لاتهموا أبن تيمية بالجاسوسية والموالاة للعدو، وحُكم عليه بالردة من الدين فسبحان الله.
(2) قال أبن كثير في (( البداية والنهاية: 14/ 119 ) ): (( عن أبي بكر بن قوام بن علي بن قوام البالسي وكان يوم قازان في جملة من كان مع الشيخ تقي الدين أبن تيمية لما تكلم مع قازان، فحكى عن كلام شيخ الإسلام تقي الدين لقازان وشجاعته وجرأته عليه، وأنه قال لترجمانه قل للقازان: أنت تزعم أنك مسلم، ومعك مؤذنون وقاضي وإمام وشيخ على ما بلغنا، فغزوتنا وبلغت بلادنا على ماذا، وأبوك وجدك هلاكو كانا كافرين وما غزوا بلاد الإسلام، بل عاهدوا قومنا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت، قال وجرت له مع قازان وقطلوشاه وبولاي أمور ونوب قام أبن تيمية فيها كلها لله، وقال الحق ولم يخش إلا الله عز وجل.
قال وقرب إلى الجماعة طعامًا فأكلوا منه إلا أبن تيمية، فقيل له: ألا تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس، قال: ثم إن قازان طلب منه الدعاء، فقال في دعائه: اللهم إن كان هذا عبدك محمود إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا وليكون الدين كله لك فانصره وأيده وملكه البلاد والعباد، وإن كان إنما قام رياء وسمعة وطلبًا للدنيا ولتكون كلمته هي العليا، وليذل الإسلام وأهله فأخذله، وزلزله، ودمره واقطع دابره، قال وقازان يؤمن على دعائه ويرفع يديه، قال: فجعلنا نجمع ثيابنا خوفًا من أن تتلوث بدمه إذا أمر بقتله، قال: فلما خرجنا من عنده قال له قاضي القضاة نجم الدين أبن صصرى وغيره: كدت أن تهلكنا وتهلك نفسك والله لانصحبك من هنا، فقال: وأنا والله لا أصحبكم، قال: فانطلقنا عصبة وتأخر هو في خاصة نفسه ومعه جماعة من أصحابه، فتسامعت به الخواقين والأمراء من أصحاب قازان فأتوه يتبركون بدعائه وهو سائر إلى دمشق وينظرون إليه، قال: والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلثمائة فارس في ركابه وكنت أنا من جملة من كان معه، وأما أولئك الذين أبو أن يصحبوه فخرج عليهم جماعة من التتر فشلحوهم عن أخرهم )) .