لو نظرنا في ما ذكرناه آنفًا من المظاهر (مظاهر الغربة الأولى والثانية) فإننا نستطيع أن نستخلص منها عدة فوائد وعبر، أهمها:
الفائدة الأولى: التشابه الواضح بين مظاهر الغربة الأولى وبين مظاهر الغربة الثانية، مما يدلل على مسألتين مهمتين:
المسألة الأولى: تتابع أذية أهل الحق من أتباع الأنبياء (صلوات الله عليهم) في كل زمان ومكان، لأن في وأدهم وأد للدعوة، وفي تقليلهم تكثير للباطل وأهله، وبهذا نعرف أن أذية الداعين إلى الخير من طبيعة البشر، كما أنها سنة ربانية سنها الله تبارك وتعالى في عباده الغاية منها الابتلاء والتمحيص والاختبار كما قال تعالى {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُون َ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:2] .
والغاية منها (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) .
المسألة الثانية: تواجد الأعداء لدعوة الأنبياء ممن ينصبون العداء لها في كل زمان ومكان، لأنهم يرون أن دعوة الحق ستسلب ما بأيديهم من جاه وسلطان ومال وأتباع، ولأجل هذا تراهم يتبعون طريق العناد، والاستكبار عن قبول الحق والانقياد له، بالإضافة إلى ما داخل نفوسهم المريضة من الكبرياء والحسد، الذي يدفعهم إلى التمرد والرفض كما نراه واضحًا من خلال هذه الحادثة التي جرت بين المغيرة بن شعبة الذي كان حينها على الكفر، وبين أبي جهل رأس الكفر والعناد، والتي ينقلها المغيرة إلينا بنفسه.
فعن المغيرة رضي الله عنه قال: (( إن أول يوم عرفت رسول الله(- صلى الله عليه وسلم -) أني أمشي أنا وأبو جهل في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله فقال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) لأبي جهل: يا أبا الحكم هلم إلى الله وإلى رسوله أدعوك إلى الله )).