فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 51

المبحث الرابع

الفقهاء القدامى تحدثوا عن التلقيح الاصطناعي الداخلي

إن التلقيح الاصطناعي الذي عرفه العصر الحديث وثار حوله الجدل قد عرفه فقهاؤنا القدامى منذ عصور قديمة ورتبوا عليه أحكاما شرعية وفي هذا دليل على أن الفقه الإسلامي له من الأصول والقواعد الكلية ما يجعله قادرا على حل كل مشاكل العالم الإسلامي في كل زمان، وقد عبر الفقهاء القدامى عن التلقيح الصناعي"بالاستدخال"أي: استدخال المرأة المني في رحمها بنفسها أو بطريقة أخرى.

قال الحنفية (في باب وجوب العدة) :

أدخلت منيه في فرجها هل تعتد؟ في البحر: نعم؛ لاحتياجها لتعرف براءة الرحم، وفي النهر: بحثنا إن ظهر حملها نعم، وإلا فلا.

قال ابن عابدين تعليقا على عبارة"أدخلت منيه في فرجها": أدخلت مني زوجها في فرجها من غير خلوة ولا دخول [1] .

وقالوا أيضا: إذا أدخلت منيا بفرجها ظنته مني زوج أو سيد فعليها العدة كالموطوءة بشبهة. قال في البحر: ولم أره لأصحابنا والقواعد لا تأباه؛ لأن وجوبها لتعرف براءة الرحم [2] .

وقالوا أيضا: إذا عالج الرجل جاريته فيما دون الفرج فأنزل فأخذت الجارية ماءه في شيء فستدخلته في فرجها فعلقت الجارية وولدت، فالولد ولده، والجارية أم ولد له [3] .

وأما المالكية: فلم أجد لهم نصا صريحا في الاستدخال ولكنهم قالوا: إن المرأة إذا ظهر بها حمل ولم يعرف لها زوج أو كانت أمة وكان سيدها منكرا لوطئها فإنها تحد ولا تقبل دعواها الغصب على ذلك بلا قرينة تشهد لها بذلك، ولا دعواها أن هذا الحمل من مني شربه فرجها في الحمام ولا من وطء جني إلا لقرينة مثل كونها عذراء وهي من أهل العفة [4] .

نستنتج من هذه العبارة: أنه يمكن أن يحدث الحمل من المني إذا دخل الفرج دون جماع.

وقالوا أيضا: إنه لا يجوز لأحد نفي حمل زوجته إلا إذا اعتمد على أمر قوي، فلا يجوز أن يعتمد على عزله ولا كونه كان يطؤها بين فخذيها حيث كان ينزل [5] .

وأما الشافعية فقالوا: إنما تجب العدة إذا حصلت الفرقة بعد وطء أو الفرقة بعد استدخال منيه أي: مني الزوج؛ لأنه أقرب إلى العلوق من مجرد الإيلاج. ولابد أن يكون المني محترما حال الإنزال وحال الإدخال. وقد حكى الماوردي عن الأصحاب أن شرط وجوب العدة بالاستدخال أن يوجد الإنزال والاستدخال معا في الزوجية [6] .

وصرح الشافعية: بأن المرأة إذا استدخلت ماء زوجها المحترم أو استدخلت الأمة ماء سيدها المحترم ثبت نسب الولد بهذا الاستدخال، واحترام الماء عندهم قد يكون في حال خروجه ودخوله معا، وقد يكون في حال خروجه دون دخوله.

أما احترامه دخولا وخروجا فالمراد به أن يخرجه الرجل بطريق مشروع، وتدخله المرأة بطريقة مشروعة أيضا وذلك كما:

إذا خرج لزوجته فنقل إلى رحم زوجته الأخرى أو مملوكته وهذه الصورة هي التي تكون فيها"ألام البديلة" [7] زوجة ثانية لصاحب النطفة.

وأما احترامه في حال خروجه دون دخوله، فالمراد أن يكون خروجه بطريقة مشروعة ودخوله بطريقة غير مشروعة كما إذا خرج لزوجته فتدخله في رحم امرأة أجنبية وذلك كما يحدث في التلقيح الصناعي من مني أجنبي [8] .

أما الحنابلة: فلهم روايتان:

الأولى: ذهبوا إلى أن النسب لا يثبت من الرجل باستدخال مائه في رحم المرأة المباحة له شرعًا وحجتهم في ذلك:

أن الولد يخلق من ماء الرجل والمرأة معا، ومن ثم يأخذ الشبه منهما [9] ، وإذا دخل ماء الرجل في رحم المرأة من غير جماع لم تجد المرأة الذي يخرج به ماؤها فيبقى ماء الرجل وحده فلا يتكون الجنين [10] .

وأيضا: لو ثبت النسب بهذا الاستدخال لثبت نسب الولد من الرجل الأجنبي عن المرأة إذا تصادقا على أنها استدخلت ماؤه وأن الولد من ذلك الماء، وذلك أمر لم يقل به أحد [11] .

قال ابن قدامة: ولا معنى لقول قال: يجوز أن تستدخل المرأة مني الرجل فتحمل؛ لأن الولد مخلوق من مني الرجل والمرأة جميعا، ولذلك يأخذ الشبه منهما. وإذا استدخلت المني بغير جماع لم تحدث لها لذة تمني بها فلا يختلط منيهما ولو صح ذلك

(1) حاشية ابن عابدين: 3/ 528.

(2) البحر الرائق شرح كنز الدقائق: 4/ 169.

(3) حكى ابن عابدين عن صاحب البحر أنه قال: إنه لم ير في ذلك نقلا عن علماء المذاهب. حاشية ابن عابدين: 2/ 667.

(4) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 4/ 319. الخرشي على مختصر خليل: 4/ 164.

(5) حاشية العدوي على شرح الرسالة: 2/ 99.

(6) مغني المحتاج: 3/ 396. قليوبي وعميرة: 4/ 349. روضة الطالبين: 8/ 365.

(7) الأم البديلة: وصورتها أن تؤخذ النطفة والبويضة من زوجين وبعد تلقيحها تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى للزوج نفسه.

وهذه الصورة قد قبلها المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة 1404 هـ"القرار الخامس"ثم عاد المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي ورفضها ومنعها في دورته الثامنة 1405 هـ"القرار الثاني". وقد أثارت هذه القضية نقاشا حادا وطويلا بين الفقهاء فيمن تكون ألام التي يرث منها وترث منه أهي صاحبة البويضة أم التي حملت وولدت؟ وكانت أراء الأغلبية تميل إلى أن الأم التي يرث منها وترث منه هي التي حملت وولدت، واتفقوا على أن تكون الأخرى بمكانة الأم من الرضاع في المحرمية، أخلاقيات التلقيح الصناعي: ص 96.

(8) وهذه الصورة ذهب العلماء إلى عدم مشروعيتها لما تؤديه من اختلاط الأنساب وفسادها وإن كانت لا تأخذ حكم الزنا من حيث وجوب الحد؛ لعدم وجود صورة الزنا الحقيقية ولكنها تستوجب التعزير الشديد لكل من اشترك فيها. الحلال والحرام في الإسلام د/ يوسف القرضاوي: ص 38.

(9) المغني لابن قدامة: 9/ 55.

(10) قيل إن ماء المرأة إفراز يسيل لمجرد تليين الجهاز التناسلي وترطيبه مثل سيلان اللعاب والعرق. القرآن والطب د/ الحاج محمد وصفي: ص 55

(11) كشاف القناع: 3/ 258،259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت