فهرس الكتاب
المطلب الثالث
مدى مشروعية التداوي من العقم [1]
لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية التداوي من الأمراض التي تصيب الإنسان [2] ومن تلك الأمراض عدم الإنجاب بين الزوج والزوجة بالطريق الطبيعي؛ لأن من بلغ سنًّا معينة من ذكر أو أنثى فإنه صالح للإخصاب، فإذا بلغا أو أحدهما هذه السن دون أن يتحقق الإنجاب على الرغم من تمام الجماع في النكاح الصحيح فإن هذا دليل على وجود علة أو مرض يقتضي العرض على الطبيب المتخصص؛ لأن عدم الإنجاب أو عدم الإخصاب يعد مرضا من الأمراض التي يندب لها التداوي، وقد طلب بعض الأنبياء الذين ابتلاهم الله تعالى به فترة من الزمن التداوي منه.
فقد طلب سيدنا زكريا عليه السلام من الله تعالى بعد أن بلغ من الكبر عتيا، وبلغت امرأته العمر الذي فات زمن الإنجاب أن يهب له ذرية حرم منها طيلة حياته [3] ، فقال تعالى على لسان زكريا:
(( كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ) ) [4] .
وأيضا طلب سيدنا إبراهيم عليه السلام من الله تعالى وهو في الكبر أن يهب له ذرية صالحة، فاستجاب الله لدعائه، فحمد الله على ذلك.
(1) العقم لغة: العَقم والعُقم، بالفتح والضم، هزمة تقع في الرحم فلا تقبل الولد، وعقمت الرحم عقما وعقمت عقما، ورحم عقيم وعقيمة: معقومة، والجمع: عقائم وعقم، والمرأة عقيم ومعقومة، والرجل عقيم ومعقوم. ويقال: المرأة معقومة الرحم كأنها مسدودتها، والعقم: القطع. والعقيم: الذي لا يولد له، ومنه الملك العقيم أي: تقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق خوفا على الملك، وريح عقيم: أي لا تلقح سحابا ولا شجرا، ويوم القيامة يوم عقيم؛ لأنه لا يوم بعده. لسان العرب: 4/ 379. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 16/ 35.
العقم عند المعاصرين: هو العجز عن الإنجاب لوجود علة أو عيب بالزوجين معا أو بأحدهما، وهما في سن يمكن الإنجاب به عادة. الأحكام الطبية المتعلقة بالنساء ص 70. نقلا عن أحكام عقم النساء في الشريعة الإسلامية لزياد صبحي.
العقم عند الاطباء: هو العجز عن الإنجاب أو عدم القدرة على الحمل بعد مرور مدة معينة، وقال بعضهم: هو فشل الحمل بعد مضي سنة كاملة على المعاشرة الزوجية. العقم عند الرجال والنساء لسبيرو فاخوري: ص 7.
والعقم ليس عيبا يثبت به خيار طلب فسخ عقد النكاح إذا وجده أحد الزوجين في الأخر. مواهب الجليل: 1/ 453.
(2) حاشية ابن عابدين: 3/ 211. مغني المحتاج: 3/ 133. المغني: 7/ 459. الروضة الندية: 2/ 277.
(3) تفسير الجلالين: ص 396 وما بعدها.
(4) سورة مريم من آية 1: 9.