شرًا يكون على وفق ما قام به حسب الإمكان سواء كان ثوابًا أو عقابًا في الدنيا من حد أو قصاص أو تعزير، أو في الآخرة، وهذا متحقق في قضاء الله وقدره، وفيما سنه الله لعباده من الذين أمرهم باتباعه.
وفي هذه القاعدة يتضح كمال الشريعة، حيث يكون الجزاء من جنس العمل، ولهذا شرع القصاص الذي هو في الحقيقة جزاء بالمثل، فكم من غني وكبير فقئت عينه لو أعطي الدية أضعافًا لما شفى صدره إلا القصاص الذي هو مقتضى العدل، وكذا التعزير ينبغي أن تكون عقوبته من جنس المعصية ما أمكن ليتحقق العدل وشفاء الصدور.
وقد قرر ابن القيم (ت751هـ) هذه القاعدة وقد أسهب في تقريرها ثم قال: «وقد دل الكتاب والسنة في أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر، كما قال تعالى: {جَزَاء وِفَاقًا} [1] أي وفق أعمالهم، وهذا ثابت شرعًا وقدرًا ... » [2] .
وبالتأمل نجد أن القاعدة تشمل الدارين، إلا أن الذي يهمنا في هذا البحث هو ما يتعلق بالدنيا الذي يستطيع الإمام أو القاضي أن ينفذ مقتضاه، فأما الآخرة فالثواب والعقاب بيده سبحانه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وهو الغفور الرحيم.
ومن التعبيرات العامة الأخرى لهذه القاعدة، والتي أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية ما أفاده عند حديثه عن عوض المثل الذي يقتضيه العدل، وأنه ركن من أركان الشريعة حيث قال: «عوض المثل كثير الدوران في كلام العلماء وهو أمر لابد منه في العدل الذي تتم به مصلحة الدنيا والآخرة، فهو ركن من أركان الشريعة، مثل قولهم: قيمة المثل، وأجرة المثل، ومهر المثل، ونحو ذلك، كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «من أعتق شركًا له في عبد، وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة
(1) سورة النبأ، الآية: 26.
(2) انظر: تهذيب سنن أبي داود لابن القيم 6/ 338، وللاستزادة انظر: إعلام الموقعين له 1/ 196 - 197، مفتاح دار السعادة 1/ 211، 274، 3/ 277.