الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فأنشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا القتال، فحملوا عليهم، فثبت المسلمون ونصرهم الله على المشركين، وحصل في أنفس المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام، فنزلت الآية [1] .
وقيل: نزلت في قوم من المشركين مثلوا بقوم من المسلمين قتلوهم يوم أحد، فعاقبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثله [2] .
قال الشوكاني (ت 1255 هـ) : «وقيل إن هذه الآية مدنية، وهي في القصاص والجراحات» [3] .
وقال ابن سعدي: «ذلك أن من جنى عليه وظلم فإنه يجوز له مقابلة الجاني بمثل جنايته، فإن فعل ذلك فليس عليه سبيل، وليس بمعلوم، فإن بغي عليه بعد هذا، فإن الله ينصره؛ لأنه مظلوم، فلا يجوز أن يبغي عليه بسبب أنه استوفى حقه» [4] .
5 -قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [5] .
فقد ذكر سبحانه المنتصرين هنا في معرض المدح مما يدل على أن فعلهم محمود ومشروع، ثم أكد ذلك بنفي السبيل عليهم، وإثباته على البادئين بالظلم والعدوان، ثم أعقب ذلك ببيان حدود ذلك الانتصار الممدوح بقوله: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} أي أنه يكون بالمثل، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فلا
(1) انظر: تفسير القرطبي 14/ 438، تفسير ابن كثير 4/ 661.
(2) انظر: تفسير القرطبي 14/ 438.
(3) فتح القدير للشوكانى 3/ 463.
(4) تفسير ابن سعدي 5/ 315.
(5) سورة الشورى، الآيات: 39 - 43.