وهذا دليل على مشروعية سب الكفار وسب دولتهم ردًا على سبهم للمسلمين ولدولتهم إذا كان في ذلك مصلحة، قال الحافظ ابن حجر: «وفي الحديث جواز سب المشرك جوابًا عن سبه للمسلمين، ولا يعارض ذلك مطلق النهي عن سب المشركين لئلا يسبوا المسلمين؛ لأنه محمول على البداءة به، لا على من أجاب منتصرًا» [1] .
ثالثًا: آثار السلف:
1 -ما روي عن عمر أنه سأل المسلمين كيف يصنع بكم الحبشة إذا دخلتم أرضهم فقالوا: يأخذون عشر ما معنا، قال: فخذوا منهم مثل ما يأخذون منكم [2] .
ففي هذا دلالة واضحة على قاعدة المعاملة بالمثل بين المسلمين وغيرهم في العلاقات التجارية؛ إذ لم يأمر عمر - رضي الله عنه - بما أمر به هنا من أخذ العشر على تجار أهل الحرب إلا على سبيل المقابلة بالمثل كما هو ظاهر، وهذا أصل عظيم فيما يكون التعامل به بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى من تعاملات [3] .
2 -ما ينسب إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: «الخير بالخير، والبادئ أفضل، والشر بالشر، والبادئ أظلم» [4] .
فهذا الأثر على عمومه يدل على المعاملة بالمثل من الجهتين الإيجابية والسلبية في التعامل بين المسلمين أنفسهم وبين المسلمين وغيرهم؛ لأنه يبين أن ما يستحقه التصرف الحسن والسيئ هو أن يقابل بالمثل مع اعتبار ما للبادئ في الصورة الأولى من زيادة فضل على الطرف الآخر نسبته إلى الخير، وزيادة ظلم في
(1) فتح الباري 5/ 563.
(2) أخرجه عبدالرزاق في مصنفه 6/ 98 برقم (10121) عن سفيان بن عيينه عن عبدالله بن أبي نجيح، إلا أنه لم يلق عمر، فهو مرسل.
(3) انظر: كتاب الأموال، لأبي عبيد ص 529، شرح السير الكبير لمحمد بن الحسن 5/ 2134، المعاملة بالمثل في الفقه والقانون الدولي العام، إمام عيسى عبدالكريم ص 101.
(4) انظر: نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري 6/ 65.