المثلي بالمثلي والقيمي بالقيمي، بل قد أشار القرافي رحمه الله في استدلاله بقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [1] في مسألة فاتح القفص بغير إذن ربه فيطير ما فيه إلى الإجماع على سقوط المقابلة بالمثل في هذا الباب بقوله: «فمعناه أن يفتح له قفصًا كما فتح، فيذهب ماله، لكن سقط فتح القفص بالإجماع، وبقي غرم المال على أصل الوجوب» [2] .
وعليه فلو عامل صاحب المال المتلف بالمثل لم يقع ذلك قصاصًا، ووجب على كل واحد منهما الضمان لصاحبه، جاء في مجلة الأحكام العدلية: «لو أتلف أحد مال آخر، فقابله بإتلاف ماله يكون الاثنان ضامنين» [3] .
غير أن بعض الفقهاء كالحنابلة في رواية يجيزون لمن يتلف ماله أن يقوم بإتلاف مال المتلف المماثل لماله الذي أتلفه معاملة له بالمثل [4] .
قال ابن القيم: المسألة الثانية: إتلاف المال، فإن كان مما له حرمة كالحيوان والعبيد فليس له أن يتلف ماله كما أتلف ماله، وإن لم تكن له حرمة كالثوب يشقه والإناء يكسره فالمشهور أنه ليس له أن يتلف نظير ما أتلفه، بل له القيمة أو المثل كما تقدم، والقياس يقتضي أن له أن يتلف عليه نظير ما أتلفه كما فعله الجاني، فيشق ثوبه كما شق ثوبه، ويكسر عصاه كما كسر عصاه إذا كانا متساويين، وهذا من العدل، وليس مع من منعه نصّ ولا قياس ولا إجماع، فإن هذا ليس بحرام لحق الله، وليست حرمة ا لمال أعظم من حرمة النفوس والأطراف، فإذا مكنه الشارع أن يتلف طرفه بطرفه فيمكنه من إتلاف ماله في مقابلة ماله وهو أولى وأحرى، وإن حكمة القصاص من التشفي ودرك الغيظ لا تحصل إلا بذلك؛ ولأنه قد يكون له غرض من أذاه وإتلاف ثيابه ويعطيه قيمتها، ولا يشق ذلك عليه لكثرة ماله، فيشفي نفسه منه
(1) سورة البقرة، الآية: 194.
(2) الذخيرة 8/ 260 - 261.
(3) المادة (921) ، وانظر: درر الحكام في شرح مجلة الأحكام، لعلي حيدر 2/ 611.
(4) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية 30/ 332.