بذلك، ويبقى المجني عليه بغبنه وغيظه، فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه ودرك ثأره وبرد قلبه، وإذاقة الجاني من الأذى ما ذاق هو، فحكمه هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسها معًا يأبى ذلك، وقوله تعالى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [1] ، وقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} [2] ، يقتضي جواز ذلك، وقد صرح الفقهاء بجواز إحراق زروع الكفار وقطع أشجارهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا، وهذا عين المسألة، وقد أقر الله سبحانه الصحابة على قطع نخل اليهود لما فيه من خزيهم، وهذا يدل على أنه سبحانه يحب خزي الجاني الظالم ويشرعه، وإذا جاز تحريق متاع الغال لكونه تعدى على المسلمين في خيانتهم شيء من الغنيمة، فلأن يحرق ماله إذا حرق مال المسلم المعصوم أولى وأحرى، وإذا شرعت العقوبة المالية في حق الله الذي مسامحته به أكثر من استيفائه، فلأن تشرع في حق العبد الشحيح أولى وأحرى ... » [3] .
الضابط السادس: ألا يترتب على الأخذ بالمعاملة بالمثل ضرر أكبر من المصلحة المرجوة من الأخذ، فإن حصل ضرر أكبر فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والضرر لا يزال بالضرر، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» [4] .
(1) سورة البقرة، الآية: 194.
(2) سورة النحل، الآية: 126.
(3) إعلام الموقعين 1/ 327 - 328.
(4) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر جاره 2/ 784، برقم (2340) ، وأحمد في مسنده 5/ 327، وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند 5/ 326 - 327 كلهم عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى أن لا ضرر ولا ضرار، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4/ 205:"إسحاق لم يدرك عبادة"، وأخرجه ابن ماجه في سننه 2/ 784 برقم (2341) ، وأحمد في مسنده 1/ 313، والطبراني في المعجم الكبير 1/ 302 كلهم عن جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ:"لا ضرر ولا ضرار"، وأخرجه أبو يعلى في مسنده 4/ 397، برقم (2520) ، والدارقطني في سننه 4/ 228 عن داود الحصين عن عكرمة به، وأخرجه أيضًا: الدارقطني في سننه 3/ 427 - 428، والحاكم في مستدركه 2/ 57 - 58 وقال:"صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه"، والبيهقي في سننه الكبرى 6/ 69 - 70 كلهم عن الداوردي عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا:"لا ضرر ولا ضرار".
وللحديث شواهد عن عائشة وأبي هريرة وثعلبة بن أبي مالك وواسع بن حبان.
انظر: نصب الراية 4/ 386.
قال المناوي في فيض القدير 6/ 432:"والحديث حسنه النووي في الأربعين، قال: ورواه مالك مرسلًا، وله طرق يقوي بعضها بعضًا".
وقال العلائي:"للحديث شواهد يصل مجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به"وبنحوه قال الألباني في إرواء الغليل 3/ 413، وانظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب ص207 وما بعدها.