المحض الذي يزيد في الضرر، ولا يفيد سوى توسيع دائرته؛ لأن الإضرار - ولو على سبيل المقابلة لا يجوز أن يكون هدفًا مقصودًا وطريقًا عامًا، وإنما يلجأ إليه اضطرارًا عندما لا يكون غيره من طرق التلافي، والقمع أفضل منه وأنفع، فمن أتلف مال غيره مثلًا لا يجوز أن يقابل بإتلاف ماله؛ لأن ذلك توسيع للضرر بلا منفعة، وأفضل منه تضمين المتلف قيمة ما أتلف، فإن فيه نفعًا بتعويض المضرور وتحويل الضرر نفسه إلى حساب المعتدى، فإنه سيان بالنسبة إليه إتلاف ماله، وإعطاؤه للمضرور لترميم الضرر الأول، فأصبحت مقابلة الإتلاف بالإتلاف مجرد حماقة، وذلك بخلاف الجناية على النفس والبدن مما شرع فيه القصاص، فمن قتل يقتل، ومن قطع يقطع؛ لأن هذه الجنايات لا يقمعها إلا عقوبة من جنسها، كي يعلم الجاني أنه في النهاية كمن يعتدي على نفسه، ومهما تكن العقوبة الأخرى فإنها لا تعيد للمجني عليه ما فقد من نفس أو عضو، فتظل حزازت النفوس كامنة تدفع إلى الثأر وتجر وراءها ذيول الويلات والفساد، فيبقى طريق القصاص في الجنايات على النفوس والأعضاء أنفع؛ لأنه أعدل وأقمع، أما إتلاف المال، فإن التضمين فيه هو التدبير السديد المفيد دون مقابلة الإتلاف بالإتلاف» [1] .
ولهذا فلو سب الكفار مثلًا دين الإسلام، فللمسلمين أن يسبوا دين الكفار إلا إذا كان المصلحة هي في عدم الرد أو قد يترتب على المعاملة بالمثل ضرر أكبر.
قال ابن القيم: «وقد حكى الله سبحانه عن يوسف الصديق أنه قال لإخوانه: {أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} لما قالوا له: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} [2] ذلك للمصلحة التي اقتضت كتمان الحال، ومن تأمل الأحاديث رأى ذلك فيها كثيرًا جدًا» [3] .
ولهذا من سب أو شتم فإن رأى أن الأخذ بالمثل قد يترتب عليه ضرر أكبر
(1) المدخل الفقهي العام 2/ 978 - 979.
(2) سورة يوسف، الآية: 77.
(3) إعلام الموقعين 1/ 330.