فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 119

فالواجب عليه عدم الرد.

الضابط السابع: أن الشريعة وإن كانت أباحت المقابلة بالمثل في باب الأخلاق والمعاشرة بين الناس وفي جميع معاملاتهم إلا أنها رغبت في المقابلة بالمثل في الفعل الحسن دون السيء، فلم ترغب في المقابلة بالمثل في الأفعال السيئة لما يؤدي ذلك إلى التنافر والتباعد الذي هو خلاف مقصود الشارع، والأصل في ذلك ما روى حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا تكونوا إمعة [1] تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن لا تظلموا» [2] .

ولما شكا أحد الصحابة مقاطعة بعض قرابته له على الرغم من مواصلته لهم بيَّن أن الله جعل له ظهيرًا عليهم ليستمر على ما هو عليه، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه: «أن رجلًا قال: يا رسول الله إني لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عليهم ويجهلون عليَّ، فقال: إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملّ [3] ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم مادمت على ذلك» [4] .

وعن عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن

(1) الإمعة: بكسر الهمزة وتشديد الميم هو الذي لا رأي له ولا عزم، فهو يتابع كلًا على رأيه، ولا يثبت على شيء، انظر: غريب الحديث، لأبي عبيد 4/ 49 - 50، النهاية لابن الأثير 1/ 67.

(2) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الإحسان والعفو 4/ 364 برقم (2007) وقال:"حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"ورواه المنذري أيضًا في الترغيب والترهيب 3/ 311 برقم (3715) وذكر تحسين الترمذي له.

(3) الملّ: بفتح الميم الرماد الحار، وتسفهم بضم التاء وكسر السين وتشديد الفاء، والمعنى كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم.

انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 16/ 350 - 351.

(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والأدب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها 5/ 142 برقم (2558) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت