فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 119

الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» [1] .

وقال له مالك بن نضلة [2] - رضي الله عنه: «يا رسول الله رجل نزلت به فلم يكرمني ولم يضيفني، وفي لفظ يُضِّيفْني - ولم يَقْرِني، ثم نزل بي أجزيه أم أقريه؟ قال: بل أقْرِه [3] » [4] ، ولهذا كله قال بعض الحكماء: «أشرف الصنائع ما لم يكن مكافأة لماضٍ ولا رجاء لباقٍ» [5] .

وقال ابن حزم (ت456هـ) : «من أساء إلى أهله وجيرانه فهو أسقطهم، ومن كافأ من أساء إليه منهم فهو مثلهم، ومن لم يكافئهم فهو سيدهم وخيرهم وأفضلهم» [6] .

والآثار في ذلك كثيرة.

إذًا فمقابلة الإساءة بالإحسان تحافظ على أواصر المحبة والألفة، وتقضي على أسباب الفرقة والاختلاف والتنافر بين المسلمين، فإن من شأن مقابلة الإساءة بالإحسان إرجاع المسيء إلى الإحسان؛ إذ الإساءة غالبًا ما تكون لحظة غضب عابرة يصحبها الندم عادة بعد انقشاع تلك اللحظة ومضيها، ومن ثم يكون الإحسان أدعى لقيادة المسيء إلى العودة للإحسان كما قال تعالى: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [7] .

أي لا يستوي فعل الحسنات والطاعات، لأجل رضا الله تعالى، وفعل السيئات والمعاصي التي تسخطه ولا ترضيه، ولا يستوي الإحسان إلى الخلق، ولا الإساءة إليهم، لا في ذاتها ولا في وصفها، ولا في جزائها، ثم أمر بإحسان خاص له موقع كبير، وهو الإحسان إلى من أساء إليك فقال: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي فإذا أساء إليك مسيء من الخلق خصوصًا من له حق كبير عليك، كالأقارب والأصحاب ونحوهم إساءة بالقول أو الفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فصله، وإن ظلمك فاعف عنه، {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} أي كأنه قريب مشفق [8] .

قال ابن القيم: «فإذا كنت ترجو هذا من ربك أن يقابل به إساءتك، فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه، وتقابل به إساءتهم، ليعاملك الله هذه المعاملة، فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك، يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك جزاءً وفاقا، فانتقم بعد ذلك أو اعف وأحسن أو اترك فكما تدين تدان، وكما تفعل مع عباده يفعل معك» [9] .

وقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصول المعونة والنصرة من الله تعالى على المسيء في هذه الحالة بقوله: (ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك) ومن هذا الظهير أن الناس بمقتضى ما فطرهم الله عليه إذا سمعوا عبدًا يحسن إلى غيره وهو يسيء أنكروا ذلك عليه، الأمر الذي قد يحمله على التراجع وتصحيح موقفه [10] .

(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، باب ليس الواصل بالمكافئ 10/ 437 برقم (5991) .

(2) هو: مالك بن نضلة، ويقال مالك بن عوف بن نضلة الجشمي، والد أبي الأحوص الجشمي صاحب ابن مسعود - رضي الله عنه -، واسمه عوف بن مالك، انظر الاستيعاب 3/ 415، أسد الغابة 4/ 38.

(3) معنى قوله: اقره أي أضفه، فالقرى الضيافه. انظر: سنن الترمذي 4/ 364.

(4) أخرجه الطيالسي في مسنده ص184، برقم (1304) ، وعبدالرزاق في المصنف 11/ 269 برقم (20513) وأحمد في مسنده 3/ 473، 4/ 137، والترمذي في سننه، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الإحسان والعفو 4/ 364 برقم (2006) وقال حسن صحيح، والحاكم في مستدركه 4/ 181، وصححه ووافقه الذهبي، والطبراني في المعجم الكبير 19/ 278، 289، والبيهقي في سننه الكبرى 10/ 10، وصححه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي 2/ 194، وشعيب الأرناؤوط في تحقيقه لمسند أحمد 25/ 224، 28/ 466.

(5) انظر: سراج الملوك للطرطوشي 2/ 769.

(6) مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق والنفوس لابن حزم ص14.

(7) سورة فصلت، الآية: 34.

(8) انظر: تفسير ابن سعدي 6/ 577.

(9) بدائع الفوائد 2/ 244.

(10) انظر: بدائع الفوائد 2/ 244، المعاملة بالمثل في العلاقات الدولية في الفقه والقانون الدولي العام، إمام عيسى عبد الكريم ص28 - 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت