الضابط الثامن: أنه لا تعارض بين قاعدة المعاملة بالمثل، ومبدأ العفو والتسامح في الإسلام، فمبدأ العفو والتسامح ثابت في كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [1] ، وقال تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [2] ، وقال: {وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [3] ، بل إن في سياق بعض ما ذكر من الأدلة لمشروعية المعاملة بالمثل ما يدل على أن العفو والتسامح أولى كما في قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [4] ، فإن معنى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} أي إن رغبتم استيفاء القصاص، وفيه تعريض بأن الأولى تركه، ثم انتقل سبحانه من التعريض إلى التصريح بترك الانتقام في قوله: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ} لأن الرحمة أفضل من القسوة، والعفو أفضل من الانتقام، ثم صرح أخيرًا بالأمر بالصبر بقوله: {واصبر} وبين أن ذلك لا يحصل إلا بتوفيق الله سبحانه [5] .
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [6] .
فإن الأمر بالصبر والعفو قد جاء بعد بيان جواز الانتقام مما يؤكد أن العفو
(1) سورة الأعراف، الآية: 199.
(2) سورة الحجر، الآية: 85.
(3) سورة الرعد، الآية: 22.
(4) سورة النحل، الآية: 126.
(5) انظر: تفسير الرازي 20/ 142.
(6) سورة الشورى، الآية: 39 - 43.