فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 119

والتسامح أولى من الانتقام [1] .

كما أن هذا المبدأ ثابت أيضًا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خادمًا ولا امرأة ولا دابة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولم يُنل منه شيء فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم حتى ينتقم لله» [2] .

وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما يذكر ما جاء في التوراة عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب [3] في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر ... » [4] ، إلى غير ذلك من الآثار.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والناس في الباب أربعة أقسام: منهم من ينتصر لنفسه ولربه، وهو الذي يكون فيه دين وغضب، ومنهم من لا ينتصر لا لنفسه ولا لربه، وهذا الذي فيه جهل وضعف دين، ومنهم من ينتقم لنفسه، لا لربه، وهم شر الأقسام، وأما الكامل فهو الذي ينتصر لحق الله ويعفو عن حقه ... » [5] .

إلا أن العفو أو التسامح لا يكون محمودًا شرعًا إلا بعد القدرة والتمكن من المعاملة بالمثل، وفي هذا يقول ابن رجب: «أما قوله: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ

(1) انظر: تفسير الرازي 27/ 181.

(2) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، باب مباعدته - صلى الله عليه وسلم - للآثام، واختياره من المباح أسهله، وانتصاره لله عند انتهاك حرماته 4/ 492 برقم (2328) .

(3) صيغة مبالغة من السخب وهو الصياح ورفع الصوت بالخصام. انظر: فتح الباري 4/ 402، لسان العرب 1/ 462.

(4) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق 4/ 402 برقم (2125) ، وفي كتاب التفسير باب: (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا) 8/ 449 برقم (4838) .

(5) مجموع الفتاوى 30/ 361.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت