يَنتَصِرُونَ فليس منافيًا للعفو، فإن الانتصار يكون بإظهار القدرة على الانتقام، ثم يقع العفو بعد ذلك، فيكون أتم وأكمل» [1] .
ولهذا قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «لا عفو لمن لم يقدر، ولا فضل لمن لم يقدر» [2] .
قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} : «ذكر الله الانتصار في معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعًا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعًا إلى حالتين:
إحداهما: أن يكون الباغي معلنًا بالفجور، وقحًا في الجمهور، مؤذيًا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: يكره للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فيجترئ عليهم الفساق [3] .
الثاني: أن تكون الفَلْتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا، أفضل، وفي مثله نزلت: {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [4] ، وقوله تعالى: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} [5] ، وقوله: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ
(1) جامع العلوم والحكم 1/ 450.
(2) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 6/ 318 برقم (8321) وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 45/ 207
(3) ذكره البخاري في صحيحه في كتاب المظالم، باب الانتصار من الظالم 5/ 119، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره 10/ 3272 برقم (18486) ، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 5/:"وصله عبد ابن حميد وابن عيينة في تفسيرهما"، ونسبه السيوطي في الدر المنثور 6/ 10 لسعيد بن منصور وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(4) سورة البقرة، الآية 237.
(5) سورة المائدة، الآية: 48.