ثانية ففقع عينه فلم ينته، فضربه فقطع يده وأنفه، ونحو ذلك فليس هذا من باب المثلة المحظورة [1] .
والأصل في تحريم المثلة قوله - صلى الله عليه وسلم: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا» [2] ، وكذلك ما روي عن سمرة بن جندب وعمران بن الحصين قالا: «كان - صلى الله عليه وسلم - يحثنا على الصدقة، ونهانا عن المثلة» [3] .
وتحريم المثلة هنا قاصر على حالة الابتداء، أما لو مثل الكفار بالمسلمين فإنه يجوز للمسلمين أن يمثلوا بقتلاهم على سبيل المقابلة والمعاملة بالمثل [4] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص ... حتى الكفار إذا قتلناهم، فإنا لا نمثل بهم بعد القتل، ولا نجدع آذانهم وأنوفهم، ولا نبقر بطونهم إلا أن يكونوا فعلو ذلك بنا، فنفعل بهم مثل ما فعلوا، والترك أفضل» [5] .
والدليل على الجواز في هذه الحالة ما ورد أن المشركين مثلوا بحمزة يوم أحد
(1) انظر: البحر الرائق 5/ 84.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته لهم بآداب الغزو وغيره 4/ 8 برقم (1731) من حديث بريدة بن الحصيب - رضي الله عنه -.
(3) أخرجه أحمد في مسنده 5/ 12، 20، وأبو داود في سننه في كتاب الجهاد، باب النهي عن المثلة 3/ 52، برقم (2667) من طريق الحسن عن سمرة، وسماع الحسن عن سمرة فيه خلاف، قال ابن حزم:"لم يسمع الحسن عن سمرة سوى حديث العقيقة، لكن الحافظ ابن كثير في التهذيب 2/ 268، 269: قد أثبت سماعه منه لغير حديث العقيقة، وذكر هذا الحديث رواية المسند 5/ 12، فالحديث صحيح بمجموع طرقه."
(4) انظر: المنتقى 3/ 172، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي عليه 2/ 179، المبدع 3/ 349، الفروع 6/ 203.
(5) مجموع الفتاوى له 28/ 314، السياسة الشرعية ص109.