فتوعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بأكثر من ذلك فنزل قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [1] .
قال ابن القيم: «وقد أباح الله تعالى للمسلمين أن يمثلوا بالكفار إذا مثلوا بهم وإن كانت المثلة منهيًا عنها فقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} ، وهذا دليل على أن العقوبة بجدع الأنف وقطع الأذن، وبقر البطن، ونحو ذلك هي عقوبة بالمثل، ليست بعدوان، والمثل هو العدل ... » [2] .
ويمكن أن يستدل لجواز المثلة على سبيل المقابلة بقصة العرنيين حيث روى أنس بن مالك أن ناسًا من عرينة قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فاجتووها [3] ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا، فصحوا، ثم مالوا إلى الرعاء فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث في إثرهم، فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل [4] أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا» [5] .
حيث كان فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - المثلة على سبيل المقابلة والمعاملة بالمثل، ويدل عليه ما رواه مسلم [6] وغيره [7] عن أنس قال: «إنما سمل النبي - صلى الله عليه وسلم - أعين أولئك؛ لأنهم
(1) سورة النحل، الآيتان: 126، 127.
(2) تهذيب سنن أبي داود لابن القيم 6/ 342.
(3) قوله: فاجتووها: أي عافوا المقام بالمدينة، وأصابهم بها الجوى في بطونهم، يقال: اجتويت المكان إذا كرهت الإقامة به، لضرر يلحقك فيه. انظر: معالم السنن للخطابي 3/ 256.
(4) أي فقأ أعينهم، وفي بعض الروايات سمر أعينهم بالراء، أي كحلهم بمسامير محماة، انظر: معالم السنن 3/ 256.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا 12/ 113 برقم (2803) ، ومسلم في صحيحه في كتاب القسامة والمحاربين، باب حكم المحاربين والمرتدين 3/ 499 - 500 برقم (1671) ، واللفظ له
(6) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب القسامة والمحاربين، باب حكم المحاربين والمرتدين 3/ 502 برقم (1671) .
(7) أخرجه النسائي في سننه الكبرى 3/ 436 برقم (3492) ، وفي سننه الصغرى 7/ 100 برقم (4043) .