الصفحة 10 من 54

وقال تعالى في سورة النساء بعد أن بيَّن لنا حِكَمًا بالغَةً وأحكامًا قويمة تتعلق ببناء الأسرةِ، والمحافظةِ على ترابطها وتماسكها: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) } ... [النساء: 26 - 28]

يريد الله ليبين لكم ما يصلحكم في دينكم ودنياكم، أو يبين لكم ما خفي عليكم من الحِكَمِ والمصالحِ العاجلةِ والآجلةِ، ... {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أي سيرتهم ومسالكَهم لتسترشدوا بها وتقتدوا بصالحهم، وتعتبروا بقَصَصِهم، {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} : يهديكم إلى سبيل التوبة ويوفقكم ويعينكم على القيام بحقِّها ويقبلها منكم، أو يتوب عليكم: أي يخفف عنكم ويعفيكم من المشقة والعنت الذي أرهق من كان قبلكم؛ بظلمهم وتعنُّتِهم، {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} : بهدايتكم وإعانتكم والتخفيف عنكم وتزكيتكم، {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ} من اليهود والنصارى والمجوس والملاحدة وغيرهم {أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} بالانحراف عن منهج الله والانغماس في خضم الملذات والتمرغ في أوحال الرذائل، {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} من أجل ذلك شرع لكم الرُّخصَ، وما جعل عليكم في الدين من حرج، فهو تعالى عليمٌ بضعفكِم.

من هنا فإنَّ شرعةَ الله تعالي صالحةٌ لكل زمان ومكان، ومواكبةٌ لجميع البيئات وسائر الأحوال ومناسبةٌ لجميع الأجيال، وهي امتداد لما سبقها من شرائع إلهية وإكمالٌ لها، شريعةٌ سمحةٌ غراء، شريعة الطهر والنقاء، والاستقامة والكرامة، والسمو والارتقاء، جمعت فأوعت بين الأصالة والمعاصرة، فهي عريقة الأصول وريقة الفروع وارفة الظلال يانعة الثمار.

وهي شرعةٌ مبنيةٌ على التيسير والتخفيفِ ورفع الحرجِ؛ مراعاةً للضعفِ الإنسانيِّ:

وقال تعالى في سورة الجاثية {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) } ... [الجاثية 18: 20]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت