فهرس الكتاب
أمّا عن تناول ابن عصفور للشراب فهو غير مستبعد، لكنّ الأمر المستبعد أن يجلس عالم تجاوز السبعين، وفي مكانة كالتي كان عليها ابن عصفور في نفوس معاصريه في مجلس شراب يتبذّل، حتى يرجم بالنارنج إلى أن يموت، ولولا أن هذه الرواية تروى عن ابن تيمية، وهو إمام كبير، لما كانت شيئًا مذكورًا، ولما استحقت كل هذه المناقشة 0
لقد ذكر المؤرخون التونسيون سببًا آخر لوفاته، وهم أعرف بهذا من غيرهم، لوفاته في بلدهم، فقد ذكروا أنه دخل على السلطان محمد المستنصر الحفصي الذي كان يرتب أعلامًا لمجالسته، وكان السلطان جالسًا في رياض أبي فهر في أريانة، في القبة التي كانت على الجابية الكبيرة، فقال السلطان على جهة الفخر: قد أصبح ملكنا الغداة عظيمًا، فقال ابن عصفور: بنا وبأمثالنا، فوجد منها السلطان وأسرّها، ولما قام ابن عصفور ليخرج، أوعز السلطان إلى بعض خواصه أن يقذفه بثيابه في الجابية، ففعل، وتثاقل الحاضرون على إخراجه من الجابية المذكورة، وأوصاهم السلطان بأن لا يتركوه يصعد، مظهرين اللعب معه، فكلما أراد الصعود ردّوه، وكان اليوم شديد البرد، وبعد صعوده أصابه برد وحُمّى، وبقي ثلاثة أيام إلى أن مات [1] 0
إنّ ابن عصفور كان شيخ المستنصر ثم جليسه، ومع ذلك لم يستنكف عن تعريضه للموت غيلة وغدرا، ومن المحتمل أن يكون المستنصر هو الذي أذاع بين الناس قصة مجلس الشراب والنارنج، ليخفي وراءها مصرع ابن عصفور بمداعبته الوحشية، فلعل السلطان وأعوانه اختلقوا هذه القصة، وهم يعرفون تعلق ابن عصفور بالشراب، وأشاعوها بين الناس، حتى وصلت ابن تيمية وغيره 0
ويقول أبو العباس الكتاني تلميذ ابن عصفور:
(ثم عاد إلى تونس، وأقام بها إلى أن توفي من شكاية يسميها الأطباء شطرغب، ومعنى ذلك حمى مركبة من حميين بلغمية وصفراوية) [2] 0
ومن اليسير أن نجمع بين هذه الرواية والروايات الأخرى؛ ليزول الخلاف، فيكون أبو الحسن قد ذهب لمجالسة السلطان الذي حقد عليه لما في رده من اعتزاز بالنفس بما لا يروق للمستنصر، الذي كان معروفًا بسرعة غضبه، والنزق في تصرفاته، فقد سبق أن
ـ 33 ـ
(1) تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية ص 29 - 30، شجرة النور الزكية ص 197، إتحاف أهل الزمان 1/ 162، تراجم
المؤلفين التونسيين 3/ 392
(2) ملء العيبة 6/ ل 91