فهرس الكتاب
ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والنظر المحرم، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، بل لسانه يمضي في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ما يقول [1] !!
فالذي يفعل هذا ما فَقِهَ مقصد الشريعة في وقوع الاختلاف، وما عرف فضل الاختلاف في إحقاق الألفة والرحمة والتوسعة بين العباد، بل تجده أحيانًا يؤسس كراهيةً بينه وبين مخالفه في إثبات فضيلةٍ وسنة، فيقع في دَرَكِ الحرام، من أجل استحبابٍ وإحسان، وقد وعظ هذا ابن تيمية بكلامٍ رائعٍ حين قال:
إن الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين، والفرع المتنازع فيه من الفروع الخفية، فكيف يقدح في الأصل بحفظ الفرع [2] ؟!!
بل يستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف هذه القلوب بترك هذه المستحبات؛ لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - تغيير بناء البيت لما رأى في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود - رضي الله عنه - على عثمان - رضي الله عنه - إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه وقال: الخلاف شر [3] !
بل ذهب إلى أبعد من ذلك بقوله:
ولو كان الإمام يرى استحباب شيء والمأمومون لا يستحبونه فَتَرَكَهُ لأجل الاتفاق والائتلاف؛ لكان قد أحسن [4] !
إن طالب العلم عابدٌ وزيادة، إن عمل بما علم كان من أعلام العبادة، وقد سمعت بعض العلماء يقول: ما رفع الله تعالى ذكر الأئمة الأعلام الأربعة إلا لتساوي علمهم مع تقواهم لربهم، فعلم كل إمامٍ على قدر تقواه، فما تعلم إلا ليعمل، ولهذا لا تراه يجادل!!
قال العلماء: إن الجدال من بقايا النفاق، بل قال بعضهم: إنه النفاق كله، وكل من كثر جدله؛ قل عمله، فلا ينبغي أن يكون كلام طالب العلم في الخلافيات أكثر من المتفق عليه؛ كعلوم الآداب والأخلاق والعقيدة، والتفسير والسيرة.
(1) ابن القيم / الجواب الكافي (1/ 111) .
(2) ابن تيمية / الفتاوى الكبرى (2/ 109) .
(3) ابن تيمية / القواعد النورانية الفقهية (1/ 21) .
(4) ابن تيمية / مجموع الفتاوى (22/ 268) .