فهرس الكتاب
أقسمت أن طلبة العلم لو رأوا ما رأيت لعلموا قدر الحرمان الذي تسربلوا به، ولتركوا الخوض في كثيرٍ من التفاصيل الخلافية، وانهمكوا ليلًا ونهارًا المتفق عليه؛ كدعوة شباب المسلمين وفتياتهم إلى الله جل جلاله.
إن ساحة المتفق عليه واسعة، ساحة التوحيد، وساحة الأخلاق، وساحة القيم التربوية والاجتماعية، وساحة الوعظ، فلو انشغلنا بهذا لعلمنا أن من اشتغل بالأمور الكبيرة فلن يبقى معه وقتٌ للعراك في المسائل اليسيرة!
إن من العار على طالب العلم أن يُشْغِلَ جُلاسه بالجدل في المسائل التي كُتِبَ أجرٌ لمن أخطأ فيها فضلًا عن أجرين لمن أصاب، والخلاف فيها قائمٌ من زمن أبي حنيفة [ت:150 هـ] أو قبله، ثم نترك الناس تُسرق من صدورهم جوهرة التوحيد والإسلام، ونحن سكوتٌ بلا كلام.
إن آيات التوحيد في القرآن فاقت نصفه، لكنَّ آيات الفقه تُعَدُّ على الأصابع؛ لنعلم أنه لا ينبغي أن نمضي حياتنا في الاختلاف في الفروع، دون الحديث في العقيدة والأخلاق والسيرة.
ثم إن المختلف فيه لا سلطان لك على رأي غيرك ليوافقك، ولا سلطان له عليك لتوافقه، فليعذر بعضنا بعضًا ما دام الله قد كتب للمخطئ منا أجرًا، هذا وبالله التوفيق.
إن التسليم للعلماء تسليمٌ للشريعة؛ ذلك أن ما جاءوا به لا يخرج عن أطرها، بل يأتي مطابقًا لها، خاصةً في المجمع عليه؛ فإن الحق لا يخرج عنه، فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة أبدًا.
وإن دور العلماء مع السنة كدور السنة مع القرآن، من تفصيل المجمل، وتوضيح المبهم، وبيان المشكل، ولهذا وجب التسليم لهم وإن خفي عنا الدليل [1] ، وهذا ما نص عليه سفيان بن عيينة بقوله:
التسليم للفقهاء سلامةٌ في الدين!
وأشار إليه الشاطبي بقوله: إن فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى العوام؛ كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين [2] .
(1) عبد الله شعبان / ضوابط الاختلاف في ميزان السنة ص (36) .
(2) الشاطبي / الموافقات (5/ 68) .