فهرس الكتاب
وهذه والله أخلاق السلف، إن عمل بها الخلف؛ كانت من أعظم النعم التي يمنها الله على العبد، لما فيها من صفاء الطوية ورقة القلب، ولك أن تتأمل المشهد الآتي لتدرك الفرق بيننا وبينهم ..
قال الإمام مالك:
سئل أوس بن خارجة: من سيدكم؟ قال: حاتم الطائي، فقيل له: أين أنت منه؟ قال: لا أصلح خادمًا له! ثم سئل حاتم الطائي: من يسودكم؟ قال: أوس بن خارجة، فقيل له: أين أنت منه؟ قال: لا أصلح أن أكون مملوكًا له [1] !!
وقرابة الآداب تقصر دونها ... عند اللبيب قرابة الأرحام
ورحم الله عبد الملك بن مروان إذ يقول لنا ناصحًا، وفينا هاتفًا:
عليكم بطلب الأدب فإنكم إن احتجتم إليه كان لكم مالًا، وإن استغنيم عنه كان لكم جمالًا!!
والمقصود أن حاجة طالب العلم إلى الأدب أبلغ من حاجته إلى النَّفَسِ، وتأمل الكلام القيم الرصين الذي يصلح أن يكون لنا منهج حياة، بثه لنا الإمام الآجري فقال لله دره:
إن نَاظَرْتُكَ وقصدت أن تكون أنت المخطئ وأنا المصيب؛ فإن هذا حرامٌ علينا فعله، وإنه لخلقٌ لا يرضاه الله منا، وواجبٌ علينا التوبة من هذا، وإنما نتناظر مناصحةً، ونتكلم تكلم من يطلب السلامة، ويكون مرادي أن ينكشف لي على لسانك الحق؛ فأصير إلى قولك، أو ينكشف لك على لساني الحق؛ فتصير إلى قولي مما يوافق الكتاب والسنة والإجماع، فإن كان هذا مرادنا رجوت أن تحمد عواقب هذه المناظرة ونوفق للصواب [2] .
يحصل إنصاف المخالف بأن تعطيه من نفسك النصَف، أي: تعطيه من الحق كالذي تعطيه لنفسك [3] ، وهذا يكون بالاعتراف بما معه من علم، وما معه من صواب، وعدم تحميل كلامه ما لا يحتمل.
ولا ريب في وجوب العدل والإنصاف، ألا ترى أن أعدل العادلين رد فرية كفار قريش بقوله: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الحاقة:41،42] فأثبت لهم جزءًا من الإيمان والتذكرة وإن كان قليلًا؟ ولم تمنع عبادتهم للأصنام من بيان الخير الذي هم عليه وإن كان يسيرًا!
وقد قال الله جلَّ وعلا: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين:1 - 3]
(1) عبد الله شعبان / ضوابط الاختلاف في ميزان السنة 149
(2) الآجري / أخلاق العلماء للآجري (1/ 44) .
(3) ابن منظور: لسان العرب (9/ 332) .