فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 27

فمصطلح"الإيمان"يشي انتفاؤه بالكفر حينًا، وبنفي كماله حينًا آخر؛ فلو أنكر أحدٌ الإيمان بالملائكة كفر، لكن لو ذُكِرَ الله عنده دون أن يوجل قلبه؛ فهنا ينتفي تمام إيمانه لا أصل إيمانه [1] .

ولهذا عقد ابن القيم في كتابه الماتع:"الصلاة وحكم تاركها"فصلًا من أروع ما قرأت له، يناقش فيه ثلةً من الألفاظ التي يجب تحديد دلالتها قبل الحديث فيها، وهي: الجهل والفسق والظلم والنفاق والشرك والكفر، وأن كل مصطلح منها له حدٌ أكبر يكفر به كفرًا أكبر، وحدٌ أصغر يكفر به كفرًا أصغر لا يخرج به من الملة، وضرب على كل حدٍ في المصطلحات كلها أدلةً له من القرآن، ولذلك فإن الحاجة إلى هذا الضابط في زماننا الذي لا حرمة للدماء فيه أبلغ من حاجتنا إلى النَّفَس والطعام والشراب واللباس والمسكن.

لهذا أنصح أهل المناظرات العلمية الاتفاق على دلالات الألفاظ خاصة المصطلحات العصرية كالديمقراطية ونحوها.

إن الزلل في الاجتهاد لا يخدش ولاية المسلم الشرعية، حتى لو تبين لاحقًا زلله، ذلك أن الله تعالى وهبه أجرًا على اجتهاده، فكيف نحرمه نحن من الولاية التي أمرنا الله بها تجاه عباده؟!!

قال أبو بكر بن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا أقر بالتوحيد، وتبرأ من الشرك فإنه مسلم، وساعتها يجب أن نكف عمن قال لا إله إلا الله، بل نثبت له حقوقه الشرعية كموالاته في الله، والنصح له في سبيل الله، قال الإمام الذهبي:

بل إنه لو كفر ببدعةٍ وإن جلت؛ فإنه ليس كالكافر الأصلي، ولا اليهودي والمجوسي، أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وصام وصلى وحج وزكى وإن ارتكب العظائم وضل وابتدع، كمن عاند الرسول، وعبد الوثن، ونبذ الشرائع وكفر، وإن كنا نبرأ إلى الله من البدع وأهلها [2] !!!

ويجدر التنبيه إلى أن من أطلق لفظ الكفر على المخالفين لم يقصدوا الكفر الاعتقادي وإنما الكفر العملي الذي لا يخرج صاحبه من الملة، كما قال ابن عباس م عن البغاة الذين خرجوا بتأويل [3] : إنهم على كفر دون كفر.

(1) إشارة إلى آية الأنفال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم .. } .

(2) الذهبي / سير أعلام النبلاء (10/ 202) .

(3) قال ابن الوزير وهو يتحدث عن المتأولين تحت قوله تعالى: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] قال: هذا يؤيد أن المتأولين غير كفار؛ لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعًا أو ظنًا أو تجويزًا أو احتمالًا!!

ابن الوزير / إيثار الحق على الخلق (1/ 395) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت