فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 27

والمقصود أن المرء عند خلافه مع غيره يقتنص الحق ليعمل به، فهذا الإمام أحمد الذي وصلت أقواله في بعض المسائل إلى ثمانية أقوال كان يحفظ ألف ألفْ حديث [مليون حديث] ، ثم قال: ما كتبت حديثًا إلا وعملت به، حتى مَرَّ بي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا، فاحتجمت وأعطيت الحجام دينارًا!!

فقال له تلميذ: وحديث مبيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغار أيامٌ ثلاثة، قال: نعم، لما اشتدت فتنة القول بخلق القرآن، ذهبت إلى غار كذا في جبل كذا، وبت فيه إعمالًا لسنة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -!!!

ثانيًا: الضَّوابِطُ الخُلُقِيَّة

إن أجمل ما آنسه بصري من وصية الآباء لأبنائهم في هذا وصية رويم حيث قال لولده:

يا بني إذا كان علمك وعملك ملحًا؛ فاجعل أدبك دقيقًا!!

علل أبو زكريا العنبري ذلك بقوله:

إن العلم بلا أدب كالنار بلا حطب، وإن الأدب بلا علم كالروح بلا جسد!!

ذلك أن النار بلا حطب آيلةٌ للزوال سريعًا، ومصير صاحب العلم بلا أدب الزوال قريبًا، وأن الروح بلا جسد تعجز معه عن مخاطبة الروح وحدها، مما يعني أن الأدب لا يستفاد منه بقدر ما لو سانده علم، وصحة فهم [1] .

ويعلم الله تعالى أن أكثر ما أذهلني أن علماء الحديث جعلوا الأدب بابًا من أبواب علوم الحديث [2] ، وهذه إشارة درج عليه أهل العلم لا يفقه مراميها إلا أولو الألباب الذي اختصهم الله بفضله.

قال الشيخ محمد عوامة:

من الكلمات التي شاعت على أَلْسُنِ علمائنا المربين: ما فاز من فاز إلا بالأدب، وما سقط من سقط إلا بسوء الأدب! ثم قال: مما كنا نؤدب عليه حين قراءتنا على شيوخنا أننا إذا مررنا بكلمة"اعلَمْ"نقرؤها"لِيُعْلَم"لئلا يكون في مخاطبة التلميذ لأستاذه صيغة أمر [3] !!

(1) محمد عوامة / أدب الاختلاف في مسائل الدنيا والدين ص (76) .

(2) محمد عوامة / السابق نفسه ص (76) .

(3) محمد عوامة / السابق ص (192) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت