فهرس الكتاب
إن الفتيا تتغير زمانًا ومكانًا وحالًا وأشخاصًا، وحتى لا نجعل ساحة المسائل الخلافية الرحبة سبيلًا للشقاق والنزاع وحصول البغضاء فينبغي للمتكلم فيها أن يراعي لمخالفه الواقع والعرف والحال والسائل، فقد يقصد المفتي بفتياه واقعًا معينًا غير الذي يقصده مخالفه، وربما أفتى بضوابط معينةٍ لم ينتبه لها المخالف، خاصةً في ظل الإفتاء عبر الفضائيات، فقد يفتي الشيخ العالم فتيا معينةً تُناسب البلد الذي يعيش فيه، لكنها لا تناسب مطلقًا أي بلدٍ آخر.
وكثيرًا ما يتم الطعن في العلماء من هذا القبيل، وعليه؛ فإن إتقان هذا من أهم ما ينبغي لطالب العلم والحق التمكن منه، قال ابن القيم:
فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد بناء على أن الشريعة تعنى بمصالح العباد في المعاش والمعاد، ثم قال:
هذا فصلٌ عظيم النفع جدًا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، ومصالح كلها، وحكمةٌ كلها [1] .
وهذا ما عناه القرافي بقوله:
إياك أن تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجلٌ من غير إقليمك يستفتيك فلا تُجْرِهِ على عُرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه، وأفته به دون عرف بلدك، والمذكور في كتبك!!
قالوا: فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أبدًا ضلالٌ في الدين، وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين!!
وكأن ابن القيم أعجب بكلام القرافي فراح يعقب عليه بقوله:
وهذا محض الفقه، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم؛ فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم، والله المستعان [2] .
(1) ابن القيم / إعلام الموقعين (3/ 3) .
(2) ابن القيم / إعلام الموقعين (3/ 87) .