فهرس الكتاب
فإن سأل سائل: لم ندرت هذه النماذج الزكية، والمواقف البهية؟
أجبتك بلسان الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى الذي بين لك ..
أسباب انتفاء الإنصاف:
فإنه يرى أن من أسباب الخروج عن دائرة الإنصاف، والوقوع في موبقات التعصب أن ينشأ طالب العلم في بلد تمذهب أهله بمذهب معين، واقتدوا بعالمٍ مخصوص، وهذا الداء الذي عم بلاد الإسلام، ولم يخرج عنه إلا أفراد قد يوجد الواحد منهم في المدينة الكبيرة وقد لا يوجد!
ذلك أن هؤلاء ألفوا هذه المذاهب حتى اعتقدوا أنها هي الشريعة، وأن ما خرج عنها خارجٌ عن الدين، مباينٌ لسبيل المؤمنين، وتم اعتقادهم أنهم على الحق، وأن غيرهم على الخطأ والضلال والبدعة، وأهل المذهب الآخر يقابلونهم بمثل ذلك.
ولهذا إن سمع عالمًا من العلماء يفتى بخلافه، أو يعمل على ما لا يوافقه؛ اعتقد أنه من أهل الضلال، ومن الدعاة إلى البدعة، هذا إذا عجز عن إنزال الضرر به بيده، أو لسانه، فإن تمكن من ذلك فعله معتقدًا أنه من أعظم ما يتقرب به إلى الله، ويدخره في صحائف حسناته!
وقد شاهدنا من بلغ به التعصب أن يبلغ في معاداته لمن يخالفه إلى حدٍ يجاوز به عداوته لليهود والنصارى، ولو علم المخدوع المغرور بأن سعيه ضلال، وعمله وبال وأنه من {الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:103،104] ؛ لأقصر عن غوايته، لكنه جهل قدر نفسه، وخسران سعيه، ثم لم يتم تنبيهه إلى فساد ما هو فيه، فتعاظم الأمر، وعم البلاء والضرر [1] .
ومن الأسباب: حرج طالب العلم من العودة للحق، أو الزلة في المناظرة مع من هو أقل علمًا، وشهرة، أو يعتمد أدلة المسألة من كتب المذاهب، وعندها سيتم استبعاد أدلة المخالف، وغيرها.
وهذا كلامٌ قيمٌ نفيسٌ يعرف قدره من له حضور في المناظرات العلمية الجادة.
إن ضالة طالب العلم الوصول إلى الحق والهداية، وأمارة صدقه بحثه عن القول والدليل لا عن قائله، ولله در الإمام الشوكاني إذ يقول:
(1) الشوكاني / أدب الطلب ص (42،41) .